يا خسارة! فرصة أخرى لقنص بعض الأمل ذهبت أدراج الريح! هكذا دون أية مبرراتٍ. أو دون أية مبرراتٍ معقولةٍ حسب إمكاناتي العقلية المتواضعة. لا أقول ذلك من باب التواضع. فهي متواضعةٌ حقاً. صحيح أنني أمضيتُ فترًة طويلةً من الزمن أرفض هذه الحقيقة البسيطة. وأدعي، لنفسي على الأقل، أنني أتمتع بذكاءٍ نادرٍ وسعة أفقٍ لا تحد. إلا أن لكل وهم نهاية.
للوهلة الأولى شعرت بالخجل لأنني كذلك. وفكرت في أن أطيل شعري ولحيتي وأعتزل الناس والحياة حتى أتخلص من رؤية نفسي في المرايا التي لا أتمكن من تحديبها كما أشاء. لكنني سرعان ما تخليت عن هذه الفكرة الغبية حين تذكرت أن أبي لم يترك لي إرثاً يُذكر يمكّنني من مقاطعة هذا العالم الفاسد. وأنا مضطرٌ، بالتالي، إلى العمل المأجور لأحصل على نقود يمكنني مقايضتها بعقد إيجار بيتٍ رطبٍ وتافهٍ، وبالخبز والبطاطا والبيض غير البلدي. أي أنني مضطر للاحتكاك برب العمل وزملاء العمل، وسائق السرفيس وركابه المتزاحمين، وباعة الخبز والخضار والسردين، وأحياناً باعة لحوم الدجاج (لا حُرمتم منها).
ثم قلتُ لنفسي، فيما يقوله الحائر: ولماذا أفعل ذلك؟ إن هي إلا حياةٌ واحدةٌ لن تتكرر. سواءٌ في ذلك انتهت إلى اندماجها في طاقة الكون، أم في بطن كريشنا، أم تقلبت في سعير سقر، أم تحللت إلى عناصرها الكيميائية الأساسية. ولمّا لم أجد جواباً مغرياً خرجتُ إلى الحلاق وقصصتُ شعري وحلقت لحيتي، ثم تطيّبتُ وشددتُ صدري (معتزاً بنفسي) كما كان يصرُّ رئيسي أثناء تدريبه إياي على كيفية حماية وطني.
أنتم تظنون أن هذا مجرد (حكي جرائد)! لكنني أقسم لكم إنني رفعت رأسي عالياً دافعاً في صدري كميةً من الهواء المشبع بالتفاؤل تكفي لتحوّل الإنسان إلى قرد! ولم أكن أحمل نيّةً سيئةً لأحد ما. بل اندفعتُ كمراهقٍ تسيطر عليه محبته المخلصة والمنفتحة لكل الناس. ولكل شيء. ثم..
من منكم لا يعرف ما يلي (ثم) هذه! هناك من لا يعرف حقاً. لكنني متأكد أنه ليس من قراء هذه الزاوية، ولا هذه الجريدة.
على كل حال، جرى ما جرى وصار ماضياً. صحيحٌ أنه ماض مستمر. لكنه ماض. وربما كان هذا بالضبط ما جعلني أكتشف بذهولٍ أن إمكاناتي العقلية متواضعةٌ. إذ كيف أمكن لي أن أصدق أن الزمن ليس له سوى اتجاه واحد: إلى الأمام. وأن الأمس هو اليوم الذي انتهى إلى غير رجعةٍ؟ ربما انطبق هذا على أعمارنا. على أحلامنا. على همومنا التي نستيقظ كل صباح لنواجه جيشاً جديداً منها دون أن نتمكن من حلّ القديمة. بل ندوس عليها بإرادةٍ لا تفل الحديد. وأحياناً نقفز فوقها متجاهلين إياها كما تفعل النعامة. لكن ذلك لا ينطبق أبداً على زمن السادة! لا تسألوني أي سادة هم. ولا سادة مَن. فالسادة هم السادة مهما كانوا وأينما كانوا. زمن السادة زمنٌ خاصٌ. زمنٌ لا يخضع لقوانين جاذبيتنا. لا يتعلق بكتلتنا وسرعتنا رغم أنف أنشتاين. زمن السادة هو زمنٌ مطلقٌ. زمنٌ دائريٌ. زمنٌ يبدأ منهم وينتهي إليهم. ولأنه كذلك، فهو لا يصير أبداً زمناً ماضياً. ولا يكون لهم حاضرٌ ولا مستقبلٌ. بل فقط: زمنُ ماضٍ مستمرٍ! وهذا الزمن، زمن الماضي المستمر، هو زمن الألوهة. زمن مطلق. وفي الزمن المطلق لا يوجد إلا العقل المطلق. والعقل المطلق هو عقل جبار. على عكس العقل النسبي الذي اكتشفت، حين فهمت ذلك، أنني أنتمي إليه!
إذاً ما الذي يمكنني فعله ما دام العالم مقسوماً إلى زمنٍ مطلقٍ وزمنٍ نسبي. إلى سادةٍ يظنون أنهم خالدون لا يأتيهم الباطل من أمامهم ولا من خلفهم، وعبيدٌ لا يُسمح لهم أن يفكروا ويقرروا أين هو الباطل. ولا أن يسموه ويشيروا إليه؟
كاد اليأس يحطمني. بل كاد يحولني إلى هشاشة لا شكل لها ولا قوام. لولا أنني تذكرتُ مرة أخرى أنني لن أعيش مرةً أخرى بأي شكل من الأشكال. سواءٌ كان من خلقني قوى متوزعةً في الأشجار أم إلهٌ متعالٍ أم تطورُ حياةٍ. ولا بد أن لوجودي قيد الحياة الآن معنى ما. معنى يتجاوز الأكل والشرب والجنس و(طق الحنك). ولا يمكن أن أسمح لزمني أن ينغلق علي. ولا لزمن السادة أن ينغلق دوني إلى الأبد. ولا يجب، بعد الآن، أن أؤجل ما يجب.