من دون اهتمام، ألقيت نظرة سريعة على حديقتي الصغيرة بينما كنتُ خارجاً من بيتي النائي، ورغبت أن أفتح الباب وأمضي، كالعادة، إلى عملي الذي لم أتعلم كيف أحبه على طريقة النصيحة الخالدة: لكي تنجح، يجب أن تحب ما تعمل، لا أن تعمل ما تحب! لكن شيئاً ما، غريباً، أعاد عيوني لتدقق في الأعشاب المختلفة التي نمت في تلك الفسحة الصغيرة التي منحتني نسماتٍ منعشةً في الصيف القائظ، وسمحت لي أن أراقب سماءً بنجومٍ في مدينة تحجب الظلام، وتركت لقلبي أن يهدأ حين كان العالم يجن على بعد قذيفة مني.
في كل تلك الفوضى (ملاحظة: على كل أولئك الذين ما يزالون يعتقدون أن الحرية هي الفوضى أن يكفوا عن إزعاجنا بأصواتهم البائدة) من الأشكال المختلفة لأوراق النباتات وسيقانها وأشكال تمددها، كان هناك نبات محدد أعرفه. ربما لم أستطع أن أتذكر اسمه مباشرة. فهو ينتمي إلى تلك العائلة من النباتات التي اكتسحتها العمارة غير المدروسة، والشوارع الضيقة والقديمة، والمدنية التي لم تستطع، بعد، أن توازن بين ما أعطتني وما سلبتني إياه. وربما لم يعد هناك الكثيرون ممن يعرفون اسمه بعد أن طغى الاسم القادم من الأفلام الغربية على اسمه المحلي: الدّيس. هناك يسمونه توت العليق، ربما لأن ثماره تشبه ثمار التوت، وهو شائك ويتعلق على أي عكازة يصادفها بانياً سياجاً محكماً يستحيل اختراقه دون إسالة دماء. هل تعرفونه؟ قد يكون أكثر النباتات وقاحة على وجه الأرض. إذ يكفي أن يبدأ في مكان ما، حتى لا يعود بالإمكان اجتثاثه إلا بحرقه سنة بعد أخرى. وقد لا يفيد ذلك. قد تكون مضطراً لتخريب التربة بكاملها حتى يتوقف عن الاستمرار.
من أين جاء هذا الشوك فجأة؟ لم يكن هناك قبل وقت قليل. قبل أن يحل البرد وأضطر للالتجاء إلى جدران الاسمنت المسلح، ودفء الوقود الأحفوري! قبل أن أفضّل السقف المتقشر، والمنخفض، والمصنوع من مواد لم تعرف معنى الحياة يوماً، على الفضاء الواسع والحي والمشبع بالحب والتعاطف! ليس هذا وحسب، بل البارحة، أقصد قبل وقت قليل، كانت وردة الشام الخمرية تتمايل متفتحة! كانت شتلات الحبق تفوح معطرة الشهيق! وكانت أزهار (شب الليل) تتغنج عن التفتح في النهار المضيئ! ما الذي جرى؟ من أين جاءت هذه البذرة الغريبة إلى هذه الأرض الأليفة؟ كيف أمكنها أن تعبر فجأة عالم الود والألفة الذي بنيته بيديَّ هاتين، وتنغرس في الأرض التي عشقتها؟
فجأة! ليست هذه كلمة مقنعة. إذ كيف يمكن لشيء أن يحدث فجأة؟ قد يكون ذلك صالحاً فيما يخص حادث سيارة في منعطف ما، مثلاً. لكن لا يمكن أن يكون ذلك فيما يخص هذا الشوك! يحتاج الأمر إلى أكثر من مجرد مفاجأة. لا بد أن تكون البذرة في مكان ما. ولا بد أن تجد طريقها إلى أرضي. لا بد أن يكون هناك ثغرة ما في حرصي. ولا بد أن يكون هناك ما يناسبها في هذه التربة. ثم لا بد أن تجد هنا، حيث حطت أحمالها، كفايتها من الماء والغذاء. لا بد أن تجد ما يدعوه المختصون في علم النبات (الوسط المناسب). وأيضاً، ربما كانت تحتاج إلى الكثير من المساعدات الأخرى ليمكنها أن تكون هنا. هنا بالذات!
لذلك، لا يمكن أن تنبت فجأة بالتأكيد. فالنبات كالبشر: كائن حيّ. وفيما يخص البشر، فيما يتعلق بحياتهم، بالعلاقة فيما بينهم، بقنوات تواصلهم، بضجيج أرواحهم وأجسادهم، لا يمكن الهروب من أن استياءً ما يتراكم، حتى لو لم نشعره في البداية، حتى يصير كراهيةً في لحظة ما. لا بد من الاعتراف أن إعجاباً ما يشرع في التشكل حتى يخفق القلب، ذات لحظة، حباً. لا بد من الإقرار أن الأشياء تبدأ في التراكم، ربما في أتفه الأمور وأقلها أهمية. ثم، في الوقت الذي قد لا نتوقعه، تظهر على السطح كأن معجزة ما حدثت. في تلك اللحظة نفغر أفواهنا دهشة مما جرى. ونتساءل: كيف حدث هذا فجأة؟
ليس فجأة. وربما كان الأقدمون محقين حين قالوا إن الشوك لا ينمو في الأرض المحروثة. لا ينمو إلا في الأرض البور. الأرض المهملة. حيث لا أجساد تنحني على سكة المحراث وهي تقلب الأرض، ولا أكفَّ تتجرح وهي تنقي الأعشاب، ولا قلوب تحنو في الليل البهيم وهي تدعو أن تُمطِرَ في الصباح.