غريب كيف تتجاور كلمتا آفاق وأفّاق كل هذا التجاور المذهل، إلى درجة أن الأمر يتعلق بمطة صغيرة في الصوت، فقط لا غير، ويصير اللامحدود كذباً، والكذب مستقبلاً وأملاً! تصير الآفاق، تلك قادت أبي حين حمل حقيبته على ظهره، وأمسك بيده صبية صغيرة مبهورة صارت زوجته، ويمم شطر أمكنة سمع أنها أبعد من التلال التي تشرق منها الشمس، وتغيب فيها، تصير أوسع من الأرض التي تأخذ أكثر مما تعطي، ومن الحيوانات التي تشاطر الناس النوم في بيوتهم، ومن الزمن الذي يضبطه إيقاع المطر والجفاف. تصير مدينة كبيرة مزدحمة بثاني أوكسيد الكربون، والناس اللاهثين بلا انقطاع دون وجهة محددة ودون ميناء ليصلوا، والضباع التي تنهبنا وتخربنا ثم ترمينا كنفايات لم تعد صالحة حتى لإعادة التصنيع!
تصير الآفاق، كجنية تأسر من تعشقه، فتسرقه من عالمه، وتتزوجه، وتمتصه، ثم تعيده مهزولاً شاحباً يترنح فيما تبقى له من أيام!
آفاق، هي تلك التي درستها ذات يوم في كتب التاريخ والجغرافيا التي أصرت دائماً على إلصاق تهمة (الكبير) بالوطن العربي الذي يفترض أن يكون وطني! آفاق هي ذلك الصوت الهادر الذي شاركت به كل صباحٍ على مدى اثنتي عشرة سنة، يرج جدران المدرسة والحارة والمدينة والعالم، حاملاً معه صدراً مشرعاً وأحلاماً سرية بالعدالة والقوة والرفاهية! آفاق، هو ذلك الهمس الأخاذ في حركة أمواج البحر، وتغلغل النسمة في أوراق الحور، ورقرقة بردى! آفاق، هي ذلك الدافع الجبار الذي يمد يده خلسة إلى أجسادنا فيُنبتُ لها أجنحةً ترفرف محولة الثقيل إلى خفيف! آفاق، هي تلك النشوة السرية في قلب يدق بعنف معتقداً أن الحب هو ذلك الفضاء المشرع على احتمالات لا تنتهي!
لكن، ها أنذا أمضي عمري ألاحق معاملة لجواز سفر لأعبر حدوداً داخل ما يفترض أنه وطني الكبير! ها هي ذي الشعارات تسقط في البرزخ الصغير الفاصل بين الإنسان والببغاء! هاهو ذا البحر ينغلق خلف الأسوار الخاصة، والحور يسقط في باحات الفنادق الفخمة، وبردى يخجل من أغنية صدحت باسمه ذات يوم! هاهو ذا الوقود ينتهي فجأة والجسد في سابع سماء، فيسقط، ليس كتفاحة على رأس عالم! ها هو ذا الحب يتعرى سجوناً بقضبان من بللور!
يا للبساطة: تقرير متأخر في أقصى المعمورة، دوي طائرة غادرة في سماء قريبة، جنون قرارات تتخذ في آخر ليل ماجن، وجراح أقبية لم يعمل أحد على بلسمتها، تقوم بهذا المطّ السهل للصوت، معيدة الأشياء كلها إلى.. تراب!
أيحدث كل هذا مصادفة؟ أم أن الأمر يتعلق بلعبة ما من ألعاب القدر التي لا هم لها سوى السخرية منا؟ ربما لا هذا ولا ذاك. ألم يقل رجل ما، في زمن ما: من زرع حصد؟ وإذاً! هل يمكن للزؤان أن ينبت سنبلة قمح؟ هل يمكن للمقصلة أن تحنّ؟ هل يمكن للكلب أن يعود ذئباً؟ أم لعلكم صدقتم أسطورة السم الذي يصير ترياقاً؟
مع ذلك، لا أعرف لماذا يعنّ على بالي الآن مقطع صغير لناظم حكمت:
(أيا يوسفُ الشقيُّ!
خذني أنا الآخرَ راكباً في سفينتكَ!
أغراضي ليسَتْ ثقيلةً:
كتابٌ واحدٌ، صورةٌ واحدةٌ، ودفترٌ واحدٌ.
لنرحلْ يا أخي!
هيا نرحلْ:
فالعالمُ جديرٌ بأنْ نطوفَ حولَه!).