يؤلمني الاعتراف أنني فشلت دائماً في إتقان تلك المعادلة الصغيرة التي تعلم المرء، منذ صار هناك بشر منتظمون في مجتمع تعلوه دولة من أين تؤكل الكتف! فشلي هذا هو الحقيقة الوحيدة التي تبرر ما أنا فيه. وليست أبداً تلك التي تقولها أمي على الدوام من أنني كنت أذكى زملائي، لكن انجراري خلف خدعة العمل السياسي ضيع مستقبلي وعمري.
وبينما هم (يعني زملائي الذين هم أقل ذكاءً مني بما لا يقاس، على مبدأ أن القرد في عين أمه غزال!) صعدوا المراكز التي تُصعد دون سلالم، ودخلوا مغارات علي بابا التي استُبدلت كلمة السر الخاصة بها بانحناء خاص، وأمنوا حياتهم التي صار يشار إليها بالبنان.. مازلتُ أحمل أمتعتي وأتنقل من بيت مستأجر إلى آخر مستأجر أيضاً. ومن عمل مؤقت إلى عمل مؤقت آخر. وبين الفينة والأخرى أخترع كذبة ما قابلة للتصديق (ليس لأن أحداً ما سيصدقها، لكن لأعفي أيا كان من حرج الاضطرار إلى تكذيبها إذا كانت بالغة السذاجة) لأطلب من أهلي الذين بالكاد يؤمّنون كفاف يومهم، ما يساعدني على تأمين طعامي. (بالمناسبة، هل لاحظتم أن الفقراء، ما لم يصلوا إلى المرحلة الصومالية، أي الموت جفافاً، هم أشخاص منتفخو البطون على الأغلب؟ أمر غريب. لكنني قرأت في كتاب ما أن ذلك بسبب فقرهم. يعني أن فقرهم يؤدي إلى قلة النظافة وسوء نوعية الطعام، وسوء المتابعة الصحية، وهو ما يملأ بطونهم بالطفيليات التي لا يملكون أجرة الطبيب ولا ثمن الدواء لمعالجتها، فتقوم هذه الطفيليات بنفخ بطونهم. ولا أعرف إن كان يصلح هذا التفسير لبعض ذوي الرؤوس المنتفخة أيضاً).
ولكن، هل لو تعلمتُ جيداً من أين تؤكل الكتف، كنت سأحصل على ما يكفي من الأكتاف المكلثمة كي آكلها! وكانت أموري ستتغير؟
ربما كان هذا ما يصر عليه الذين يبتسمون ثقة وأملاً وهم يتحدثون عن المستقبل المزدهر لبلادنا الخيرة حين يرحل عنا القطاع العام الفاسد الذي ربى، من ضمن من ربى، قطعاناً من الضباع والغيلان التي زرعت الوطن قصوراً واستراحات تضاهي ما حلم به هارون الرشيد. سوى أن ساكنيها لا يملكون من هارون الرشيد غير دونجوانيته. فإذا فرضنا هذا، ألا يجب التساؤل من أين ستأتي الأكتاف التي ستؤكل إذا كانت الرفاهية ستعم الجميع؟ هل هم الكسالى والأغبياء الذين أخطأت الطبيعة بالسماح لهم بالوجود في مملكتها الراقية؟ أم أننا سنجد شعوباً أخرى لننهبها، لخير مواطننا، كما تفعل بلدان التقدم والرفاهية من مشارق الأرض إلى مغاربها؟
هذه سباحة عكس التيار. أعرف ذلك. فالقرف السائد مما يجري في هذا القطاع وصل إلى مرحلة صار فيها التصور الطاغي هو أن الكي آخر الدواء. لكنني أعرف جيداً أن أحداً ما لا يدفعني لقول ذلك. وأنني بالتأكيد لا (أخدم العدو موضوعياً)، (كما يحب دكتور شهير في التحليل السياسي أن يتهم كل من لا تعجبه أقواله وأراؤه). وأن عقيدة ما ليست وراء قناعتي هذه. بل مصلحتي الشخصية، بكل بساطة. أليست المصالح هي التي تحرك العالم؟ ألا يتمسح المرشحون للرئاسة في أمريكا بأقدام دافعي الضرائب ليقنعوهم أن انتخابهم خير على مستقبلهم؟ ومصلحتي أنا هي هنا. في الدفاع عن المعامل التي بنيت بأموال الضرائب التي دفعها أبي وأخي وأختي. في الدفاع عن استثمارات أنا مالكها الحقيقي، وليس أولئك الذين وصلوا بطريقة أو أخرى. في الدفاع عن خيرات هي لوطني الذي ولدتُ فيه ونشأت فيه وأعمل فيه. وأيضاً، ببساطة، لأن القطاع العام هو الذي أعطى واحداً مثلي، لم يمتلك أهله في يوم من الأيام ثروة موروثة، ولا عرفوا من أين تؤكل الكتف، فرصة ليتعلم، وفرصة أخرى ليتلقى العلاج.
ولأنها كذلك، لأن الشارع ملكي، والحديقة ملكي، والمعمل ملكي، والمدرسة ملكي، والمشفى ملكي.. ملكي الحقيقي لا المجازي. دفعت أثمانها يوماً وراء يوم، أرغب في الدفاع عنها. ليس فقط ضد أن تباع للحيتان التي ملأت الشوارع بالسيارات الفخمة، لكن أيضاً، ضد أن تبقى مزرعة خاصة للمدير، أو للوزير، أو لابن العشيرة، أو لرجل الأمن. أرغب في الدفاع عنها بالكلمات، وبالقوانين، وبالأسنان إذا لزم الأمر.