هل صحيح أنه يمكن أن نجد الحرية في أكثر الأماكن بعداً عنها، كالسجن مثلاً؟ لست أذكر من الذي قال ذلك، أو عبّر عنه بطريقة ما. لكنها فكرة مغرية على كل حال. فهي تتضمن تفصيلاً قد يكون هو الأقدم والأهم في وجود الإنسان: فك الارتباط بين الجسد والروح. فيصير للجسد أن يعاني ما يعاني، وينحط أي انحطاط، ويسفه، ويخطئ، ويُدَمَّر؛ وتبقى الروح، يبقى القلب والعقل غير معنيين بما يحدث لهذه الكيمياء المعقدة.
تصور لو أن الأمر كذلك! أية حياة رائعة ستكون إذاً متاحة للجميع، بغض النظر عن أسمائهم وألوانهم وأعلام بلدانهم! بغض النظر عن عقائدهم وأفكارهم ونزوعاتهم الغريبة!
لو أن الأمر كذلك حقاً، كنت سأمدّ لساني إلى أقصى مدى في وجه رجل الأمن الذي سألني ذات يوم، بينما حذاؤه يعلو وجهي: (وْلا حمار، مين إنت لتحكي بالسياسة؟). ثم قذفني، بالتواطؤ مع قانون الطوارئ الذي لم يعد طارئاً، إلى السجن المدجج بالحراسات التي قامت بمهمتها في حراستي لأعوام ستة على أكمل وجه، مع أنه لم يُضبَط معي حتى سيف خشبي! كنت سأنام دون أن أفكر بالمصادر المحتملة لأستدين منها جزءاً من إيجار البيت، أو فاتورة الهاتف، أو ثمن بضع علب من التبغ المحلي الرديء! كنت سأبتسم بود للرجل الذي تمسّح بي حين كان يحتاج إلى صوتي (من باب الوجاهة فقط)، وأصغى إلي، ورشاني، ثم لم يكلف نفسه عناء السؤال عمَّن أكون، أو ما أريد! كنت سأتجاهل أولئك الذين كانوا البارحة مواطنين من الدرجة العاشرة، مثلي. ثم هطلت عليهم غيمة من السماء، بعد أن تبخر عرقي!
للأسف، تلك الحرية التي يمكن أن أجدها حيث لا أتوقعها، ليست إلا وهم الحرية. وهمي الخاص بالحرية. الوهم الذي لا بد منه في الشروط الصعبة لكي لا أنهار. الوهم الذي يمكّنني، في مأزق ما، من تحقيق توازن يسمح لي بالاستمرار. وأيضاً، هي تلك الأسطورة التي يرغب، بل يعمل الذين يسرقون الحرية بجدّ وكدّ كي يكرسوها في رأسي. فما الذي يمكن أن يريحهم أكثر من تصديقي أن الفقر حالة مثالية للأخلاق الفاضلة؟ وأن الجوع ينقّي الروح أمام وجه الله؟ وأن السجن يحميني من نصفي المظلم؟ أنهم يعرفون مصلحتي أكثر مني؟ أنني محظوظ لتضحيتهم بوقتهم وجهدهم في سبيلي؟ ما الذي يمكن أن يريح المسؤول أكثر من أن أعتقد أنه وحده المناسب؟ والرقيب أكثر من أن يصير جزءاً عضوياً مني؟ والسارق من أن أعتقد أنه لا يأخذ إلا حقه؟ والمرتشي من أن أشعر أنني إنما أكرِمه؟
ليست هذه حرية أبداً. الحرية لا تكون في العقل ولا في القلب. الحرية ليست شعوراً غامضاً. ليست تهويم خيال. ليست تصوراً معلقاً في فضاء. الحرية قانون يمنع أياً كان من التدخل في حياتي الشخصية. ويمنعني من التدخل في الحياة الشخصية للآخرين. قانون يسمح لي أن أشارك في تقرير مصيري ومصير أهلي وبلدي. قانون يضمن حقي أن أحاسب الفاسد والسارق والمرتشي مهما كانت أسماؤهم، وأياً كانت مناصبهم. حقي في الاعتقاد بما أقتنع به. وفي التعبير عن اعتقادي دون أن أسيء إساءة مادية لأحد (لا توجد إساءة غير مادية). وفي التنظيم المشترك مع من يشاركونني اعتقادي. الحرية حقي في أن أعمل، وأن أحصل على مكافئ مناسب لعملي. الحرية هي حقي في أن أخرج من السجن، من كل السجون مهما كان اسمها.
حقاً، لست متأكداً من الذي قال إنه يمكننا أن نكون أحراراً في أكثر الأماكن ضيقاً، كالسجن مثلاً. لكنني متأكد أنه لم يجرب السجن بعد.