كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
فشل طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

ما إن تشرع فكرة ما في الانبثاق من ثنايا التلافيف التي عقّدت البشر منذ اكتشفوا أن العالم كله متوقف على مدى نشاط هذه التلافيف، حتى يبدأ في النمو صنوٌ لها، في ظلها تماماً طيف أسود لا يكاد يُلحظ، وأشد منها انغراساً في الروح.

ما الذي سأفعله؟ وكيف سأفعل كذا؟ هل ستكون هذه الحركة صحيحة؟ هل ستحقق لي ما أخطط له؟ هل سينجم عنها ما يرضيني؟ هل سيقيّمها الآخرون جيداً؟ ألن ألام عليها؟ ألن تؤذي أحداً ما؟ ألن تؤدي إلى مصاعب جديدة؟ هل سأنجح في ذلك؟
تبدو هذه الأسئلة، والكثير غيرها، تطوراً مذهلاً لهذا العقل الذي عرف كيف يتطور بعد أن تمكَّنَّا من سرقة النار. وشواء الخراف. وإحراق المدن. لكن سؤالاً واحداً فيها، السؤال الأخير، هو الذي يكمن في الظلام كأفعى متربصة. لا تُظهر رأسها، ولا تكف عن الفحيح. مشعلة فينا ذلك الخوف السريّ المُقلق والمعيق.
فحيح! أيجب أن نصم الفشل دائماً بتلك الصفات المقذعة؟ ونخاف منه ذلك الخوف؟ ونحمّله ما لا طاقة له على حمله؟ أليس هو، حقيقةً، وجهاً آخر في موشور الحياة؟ أذكر جيداً ذلك المثل الذي دأب المدرسون على تقديمه لطلابهم عن أديسون حين فشل مئات المرات قبل أن تتوهج كرته الصغيرة حاملة البشرية إلى عالم آخر. ربما كان أديسون مثابراً حقاً. وربما كان مجرد عنيد! لكنه، على كل حال، لا ينفعني هنا. فأنا أتحدث هنا عن الحياة، عن العيش، عن الحرية، عن الحب، عن القلب، عن العقل.. وما أتحدث عنه، للأسف، غير قابل للتجريب.
ليته كان كذلك! تصوُّري لو أننا نستطيع، حين نفشل، أن نعيد ما فعلناه! أن نرجع الزمن ونعدل في الشروط والمعطيات والوسائل وفقاً لنتائج الفشل! أن نعيد الكرة مرة تلو مرة دون أن يتغير إلا ما نريد أن نغيره! أن نبدأ من جديد وكأننا نفعلها للمرة الأولى بعقل أوسع ومعرفة أعمق، وبلا ارتكاسات! هل ستكون الحياة، حينئذ سهلة وجميلة؟ ربما. وربما ستكون باردة كصقيع القطب. وتافهة كصحراء!
هي ليست كذلك على كل الأحوال. ليست الحياة تجربة في مختبر. قد تكون تجربة. لكنها تجربة مفتوحة على اتجاه واحد، ولا نملك إلا بعضاً من مفاتيحها. وما يجري فيها لا يمكننا تكراره بأي شكل. هل هذا هو السبب في خوفنا من الفشل؟ لأن ما نفعله نفعله مرة واحدة فقط؟ لأننا لا يمكن أن نرى النهر ذاته مرتين؟
هذا مُقلق فعلاً. كيف لي، إذاً، أن أعرف كل ما يجب أن أفعله، وكل التأثيرات والظروف التي ستتدخل في ما أفعله، وكل ردود أفعال الآخرين وانعكاس ردودهم في فعلي؟ كيف لي أن أعرف مسبقاً، إن كانت ابتسامتك حين أضع كفي على كفك هي ابتسامة فرحٍ، أم تفهّمٍ، أم غضب؟ كيف لي أن أعرف مسبقاً ما إذا كنتِ ستتأقلمين مع شخيري، وقد تحبينه، أم ستمضين لياليَ طويلة وأنت عاجزة عن النوم، وستُرهقين؟ هل يمكنني أن أجزم أنني سأجد عملاً آخر غير (الشحاذة) حين أردّ على إهانة ربّ عملي وأُطرَدُ. أو أن صمتي عن الإهانة لن يؤدي إلى المزيد من الإهانات؟ هل هناك جهاز ما، مقياس ما يُقرر نهائياً نتائج فعل ما، أي فعل نقوم به في مدى حياتنا المتشابك والمعقد؟ للأسف لا. وما مارد علاء الدين وساحرة سندريلا إلا إسقاطان جميلان لرغبتنا الدفينة في تجاوز هذا التعقيد وذاك الخوف بخلق من يمكنه أن يوصلنا إلى النتائج التي نرغب مباشرة. دون احتمالات. بتأكيد مطلق فقط.
ولأن مارد علاء الدين، وساحرة سندريلا، قد ماتا مع دوران المسننات الأولى في عجلة المحرك البخاري، بقينا وحيدين في مواجهة واقعنا لا يسعفنا إلا احتمالات قد تنجح، وقد تفشل.
مع ذلك، فشلت كل هذه المبررات العقلانية في أن تطفئ نار الإحساس بالفشل! في أن تطلق الدموع المتراكمة تحت جفني دون أن تتمكن من التحرر. في أن توقف الضجيج المصِمَّ في قلبي الممزق. في أن تمسح الحزن المخيم عليّ. وها أنذا، مرة أخرى، قد فشلت..

*- جريدة النور 24/12/2003

بسام القاضي

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS