كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

الصمت شيطان طليق
تسرّع طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

هذا القلب! ما الذي أفلتَه من عقاله الآن، وأطلقه في براري الاضطراب ووحشية الحرية. تاركاً قوانين الطبيعة، وربما الكثير من القوانين الأخرى، محتارة من أين تعاود السيطرة؟ هل هذه هي المرة الأولى؟ كيف! هل نسيتَ؟ ربما لم أكن معك وقتذاك.

 ربما لم أكن أصلاً. لكنني أستطيع، مع ذلك، أن أذكّرك. وإن كنت أعرف جيداً أنك الآن، الآن بالضبط، أكثر قدرة على التذكر من أي وقت مضى. بل ربما تكون الآن دخلت تلك السحابة السرية الأكثر خصوصية وإغراءً. ربما تكون الآن في ماهية الذاكرة. هكذا قال أبي ذات يوم، حين انقطع العالم، (العالم حيث الناس والأرض والسماء. حيث الحيوانات والآلات والأشياء. حيث الأحداث والأفعال والأعمال. حيث ما نحسه وما نسمعه وما نراه..) عن أن يكون للحظة. قال لي، فيما بعد، إن الخوف قد ملأه من هذا اللاوزن المفاجئ. من هذه الخفة المريحة. من هذا التحويم الغريب. لوهلة فقط. ثم، حين عرف أنه ما يزال موجوداً، ابتسم بهدوء وهو يرى، وهو يسمع.
وأنت الآن ترى وتسمع. هل ترى الآن شغاف قلبك التي تطايرت حين التقت العيونَ المحدقة بحب في عالمك، قبل أن تحرثه وتزرعه وتزينه؟ ما الذي فعلتَه حينئذ! هل ابتسمت بهدوء، كعادتك الآن، وشرعت تحلّل وتركّب. أم تلفّتَّ حولك باحثاً عن قشة في بحرك المفاجِئ المتلاطم؟ لا يبدو أنك وجدت عكازاً آنئذ. فها هو عمر طويل قد مضى وأنت تزهر في حقول تلك العيون، وتسترخي في بيادرها. صحيح أنك لم تعترف لي بذلك. ككل الكبار الذين يخجلون، أحياناً، من التعبير عن عواطفهم. لكنك ستعذرني إذا قلت لك إن عيونك كانت فاضحة. العيون فاضحة دائماً حين يتعلق الأمر بالقلب، ما في اليد حيلة. ولماذا لا تقول؟ ألا يجدر بالمرء أن يفخر بأجمل ما يمكن أن يكونه المرء؟ ألم يكن الحب دائماً مرآتنا السرية الخاصة التي نتعرى فيها، ومرآتنا السحرية العلنية التي نبدو فيها كما نشتهي؟ أتساوي عدالة العالم شيئاً حين لا تكون القلوب؟ أيمتلك النجاح، في أي مكان وأي زمان، نكهةً حين لا يطرف رمشٌ وهو يهنئنا؟
ما الذي تراه أيضاً؟ أترى ذلك الفتى الذي تخيّل، ربما في ضوء القمر، عالماً مختلفاً ناضحاً بالحب والخير والجمال؟ فلحقه، باحثاً عن الجنة التي لم تخرج بعد من الكتب. معتقداً أنها أمضت قروناً في ظلماتها منتظرة يده، هو بالذات. ثم..
أترى ذلك الشاب الذي انحنى مرتعشاً فرَحاً وقلقاً، ليقبّل الكائن الضئيل الأول الذي لم تفقح عيناه بعد. متأملاً هلامية الكائن، وضبابية حاضره ومستقبله، وصلابة الإرادة في أن يكون؟
أترى ذلك الرجل الذي وقف للمرة الأولى أمام مسؤولية أن كلماته صار لها أثر على حياة آخرين. وفي البرزخ الفاصل بين العين وهي تقرأ واللسان وهو ينطق، ارتجف القلب خائفاً أن يخطئ أو يسيء؟
وما الذي تراه أيضاً؟ ربما لا يحق لي أن أسألكَ. ربما لا تجرؤ أن تقول. لكن، في كل الأحوال، أعرف أنك الآن تعرف، أكثر من أي وقت مضى، أن القلب هاجع دائماً في أقصى الزوايا السرية والمعتمة. أنه وحده الساهر على الدوام. أنه وحدَه المترعُ. أنه وحده القادر على الاستمرار.
إذاً، أفلتَ قلبُك من شباكه الروتينية ليحلق في عالم غير هذا العالم. مع ذلك، أعرف أنك ستعود غداً. سيكون لحضورك رهبته التي اعتاد عليها أولئك الذين لم يستطيعوا أن يجتازوا. ولكنني سأناقشك بهدوء وأنا أخطئ، كالعادة، بين الـ(نعم) التي تعني السؤال، والـ(نعم) التي تقصدها أنت: التأكيد فقط. وسأمازحك بصخبٍ. وستضحك. سيرتجّ بطنك. وستستعيد قصة ما من زمن ما. وسأنظر إليك دون أن تراني. وسأعاود تساؤلي السري مرة أخرى: بماذا تشعر الآن؟
*- جريدة النور 29/10/2003

بسام القاضي

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS