كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
صناعة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

كل عام وأنتِ بخير!
كتبتُ لكِ أولاً: عامٌ سعيد. ثم محوتها. ليس لأنها ترجمة شبه حرفية لـ happy new year، فقد تخلصتُ من عقدة الخواجة بوجهيها: المعجب دائماً والرافض دائماً، منذ زمن طويل. حتى إنني أفضّل كلمة (الكمبيوتر) على كلمة الحاسوب.

وأرى في كلمة التلفاز مجرد تحوير بسيط وجميل للاسم الأصلي: (التلفزيون). ولست خائفاً على لغتي من الاختراق والتدمير والموت. فاللغة، ككل كائن، لا يستمر على قيد الحياة ما لم تكن آلياته الداخلية متفاعلة ومتطورة بما يكفي لتعبر عن الحياة. وما لم يكن حملتها أحياء. ولن ينفعها سور الصين العظيم حين يتوقف قلبها عن الخفقان. وليس لأنها تقال كثيراً. فالجملة التي اخترتُها تقال أكثر منها. كما أن الكثرة لا تنزع عن شيء قيمته، ولا تمنحه قيمة إيجابية، باستثناء حالة واحدة ما زلتُ محمياً من وبائها الخطير هي الديمقراطية.
فعلتُ ذلك لأن (عام سعيد) بدت ميتة كلوحة باهتة على جدار متقشر. إذ ليس فيها سرمدية (كل عام). وليس فيها حرارة الخطاب المباشر المكتنزة في (أنتِ). وليس فيها ذاك الارتباط النهائي بينك وبين الزمن.
لكن شيئاً واحداً استوقفني في الجملة الشائعة التي اخترتُها: لماذا وُضِعَت (بخير) قمةً في الأمنية وغابت السعادة؟ السعادة التي تبدو غاية الغايات في كل مكان وزمان؟ ألم تكن السعادة تشكل هدفاً لأولئك الناس الذين صاغوا تلك العبارة؟ هل كانت متوفرة إلى الدرجة التي جعلَتها واقعاً لا أمنية؟ هل تصوروا أن كون المرء بخير هو مصدر للسعادة؟ أم لعلهم تداولوا فهماً مختلفاً عما نتداوله الآن لكلمة خير؟
أخرجتُ رفّ القواميس المضغوطة على CD لا يحتل إلا مساحة صغيرة ولا يحتاج إلى نفض الغبار وتخريب شباك العنكبوت بين الحين والآخر، وبحثت طويلاً دون جدوى. لجأت إلى الكثير من أصدقائي، وبعض العجائز بحثاً عن عبارة مخزنة في الذاكرة الشفهية لشعب لا يحب الورق، عبارة تصرّح بتمني السعادة للآخر كقيمة عظمى. سألت بعض المثقفين والراسخين في العلم. لا شيء. أليس ذلك غريباً؟ قال أحد أصدقائي: ماذا تنتظر من تاريخ حافل بالظلم والهوان كتاريخنا؟ لكن ذلك ليس صحيحاً. فأنا لا أذكر مدينة واحدة دمرها حاكمها كما دمّر نيرون روما (رغم أنه ليس لدينا أكروبولس). ولم يصل إبداع الظلم والظلام عندنا ما وصلت إليه عقول أرباب محاكم التفتيش في أوربا القرون الوسطى (مع أن غاليليه لم يولد في أرضنا). بل حتى في العصور الحديثة: هل يبلغ عدد كل من قتلوا في حروب هذه المنطقة على مر التاريخ العدد الذي وصله قتلى الحربين العالميتين اللتين انطلقتا، كلتيهما، من أوروبا؟ ليس السبب إذاً تاريخنا الأسود! هناك شيء آخر. شيء ما في الروح. ربما هو الخوف من السعادة. بل ربما هو الخوف من أي شيء، وكل شيء! ألستُ أخاف من البائع في الكشك على الرصيف الذي باعته المحافظة ضاربة عرض الحائط أنني أدفع ضريبته سنوياً. فقد يكون صاحب الكشك واحداً من أصحاب اليد الطويلة! ألا أخاف من سائق التكسي الذي قد يكون عنصر أمن متخفٍّ. مع أن هؤلاء لم يعودوا يخفون هوياتهم ماداموا يعملون ليعيشوا. وصاروا (يثرثرون) أكثر من غيرهم. بل أخاف من أصغر موظف في أصغر دائرة في أبعد محافظة. رغم أنني أنا من وظف هذا الموظف عبر الحكومة التي يجب أن تكون ناتجة عن انتخاب قررتُ أنا نتيجته! أخاف من أن أنقد قراراً اتخذه ربّ عملي خوفاً من أن يطردني! أخاف من أن أمدح افتتاحية كتبها رئيس التحرير خوفاً من أن أتهم بالتزلف! أخاف من أن أقول كلمة جميلة لصديقتي خوفاً من أن تسيء فهمي! أخاف من أن أعبر عن حزني خوفاً من أن أتهم بالضعف! وأخاف من أن أعبر عن سعادتي خوفاً من فقدان هذه السعادة. حتى إن واحدة من أكثر الجمل شيوعاً على الأرض العربية هي جملة: (الله يجيرنا من هذا الضحك)! تقال بلهجات مختلفة كلما ضحك القلب وارتجّ الجسد!
هل امتنعنا عن صياغة السعادة كأمنية واضحة كما نمتنع عن ذكر السرطان بالاسم، مشيرين إليه على أنه مرض عضال بدافع من هذا الخوف، معتقدين أن الشياطين تقف متربصة منتظرة ما نلفظه، لتحققه إن كان شراً، ولتدمره إن كان خيراً؟!
يبدو أننا رهنَّا السعادة على حياة أخرى غير هذه التي نعيشها. واكتفينا، في هذه الحياة، بالرضا. لكن، مع ذلك،إذا قرأتم في مكان ما، أو قال لكم أحدهم (إن صناعة الفرحِ المؤقت حاجةٌ كالخبز) فصدقوه!

*- جريدة النور 31/12/2003

بسام القاضي

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS