(ليش الكذب؟)، أنا فعلاً أخاف من المشاكل، وترتعد فرائصي حين أجد نفسي في قلب مشكلة ما، فأستنفر كل إمكانياتي على الالتفاف والدوران هروباً من المواجهة. أتجنب الطرق الجانبية، فهي قد تخفي مفاجآت غير سارة، وأنتقل من رصيف إلى آخر إذا رأيت مجموعة شباب يمكن أن يرمي أحدهم تلطيشة على مسامع زوجتي التي تتأبط ذراعي بكل ثقة.
ألتزم إشارات المرور وجسور المشاة كي لا يتنطح لي شرطي ما - مع أن هذا لا يحدث عادة -. أكره مراجعة دوائر ومؤسسات الدولة لأنني لا أتقن فن التعامل مع رجالها، وأخاف إن أخطأت أن يجروني إلى مالا تحمد عقباه.
ربما يكون هذا الخوف طبيعياً، وربما يكون مرضياً، فأنا لم أفكر أن أزور طبيباً نفسياً لأجل هكذا أمر تافه. حتى إذا كان مرضياً، فإنه ليس بالمرض الخطير، بل وله وجه مفيد أيضاً. أنا أعرف صديقاً لي لا يمتلك هذه الميزة الرائعة صرخ في مكان ما: أريد محامياً!! فجاءه (محام) (أقنعه) بما يجب عليه الاقتناع به. علة الخوف هذه تقوم منذ بداية الحياة على الأرض بخط الدفاع الأول لحماية الكائن الحي وإبقاءه قيد (البقاء). وطبعاً لا تزال غاية الجنس البشري هي (البقاء)، رغم أنه تناساها منذ بضعة عشرات من السنين.
مشكلة الخوف هذه لا تؤرقني لأني أعتقد أن هناك الكثيرين ممن هم مثلي. الذي يؤرقني هي مشكلة عدم اعترافي (الطبيعي) بهذه المشكلة. فجميع الذكور الذين أعرفهم يسيرون بأكتاف مشدودة ورؤوس مرفوعة غير آبهين بما يعترضهم، مستعدين دائماً لإثبات أنهم (قد حالهم). لا أستطيع أن أقول لزوجتي أنني أرفض أن أحقق لها رغبتها البسيطة في الركوب في الأرجوحة عندما نذهب معاً إلى الحديقة العامة لهذا السبب، بينما أفكر بهذا طوال الوقت. ولا أستطيع أن أقول لأخي لماذا أترجاه دائماً إنجاز معاملاتي الضرورية في الدولة.
الحقيقة أن الوقت الذي يأخذه مني هذا التفكير، وتلف الأعصاب الذي تصيبني به السيناريوهات التي أضعها لكل الاحتمالات، تستهلك من الوقت والجهد ما يكفي لمواجهة أي مشكلة مهما كانت. ورغم معرفتي (اليقينية) هذه، أدور في نفس الدائرة، مستمراً في الإدعاء بأنني - كغيري - (قد حالي)!؟.