فجأة، فتحت السماء أبوابها لتغدق الماء المدرار على الأرض التي أمضت سنوات عجافاً طويلة في انتظار القطرات الهاربة من الغيوم التي اعتادت أن ترتاح في أماكن أخرى تاركة لنا فتات الغيوم ولهاث العطش.
ربما تألم قلبها لشفاهنا المشققة. ربما سمعت ترنيمة أمّ تخشى أن لا تجد هذا العام أيضاً طعاماً لأولادها فتضطر لطبخ الحجارة. ربما داعبها الشوق لذكرى الأحبة الذين ما إن تتصل حبال السماء بالأرض حتى يتحولوا إلى كائنات شفافة تخرج لتغتسل في الماء الذي عُمّد. وربما كان هناك شيء مختبئ في زوايا أسرار الكلمات.
مطر.. أليس المطر مبعث سعادة؟ قد يكون ارتبط بالدمار والتخريب في بلاد البنغال، فصار خوفاً سنوياً يكنس في سيلانه حبوب الأرز وقطعان الماشية والبيوت التي بنيت من الصفيح والطين. وقد يكون لعنة كبير آلهة الآزتيك، فيهطل ويهطل، ثم يهطل ويهطل، نازعاً عن الزمن معناه، وعن الروح صفاتها، كما يصفه أولئك الكتاب اللاتينيون نصف المجانين الذين لم يجدوا مفراً من الخضوع لعالم سحري، فظن العالم أنهم يبتكرون أسلوباً جديداً في الأدب سمّوه الواقعية السحرية. ربما ارتبط بالأحلام المستحيلة التحقق في جنوبٍ خرج منه الإنسان ذات يوم مغرق في القدم ليعمّر الأرض، وهاهو ذا يخرج منها مرة أخيرة ليندفن في الرمل الذي كان تراباً وغابات قبل أن يسرق الشمال حتى عناصره الأولية، ويبني حضارة، ويلومه على فقره وتخلفه.
لكنه عندنا، في بلادنا التي توقفت منذ زمن طويل عن أن تكون محط الهجرات، وشرعت أنهرها تنضب شيئاً فشيئاً، وراحت الصحراء تزحف من أطراف الرمل حتى قاع الروح، بقينا ننتظر السماء أن تكفهر وتمتلئ بالغيم الأسود المكتنز. سمينا القطرات الأولى غيثاً. ووقفنا روحنا لتنطلق في سعادة خاصة في استقبال ما سيمنحنا لقمة الخبز.
لهذا، ربما، تجرأ رجل على ضفاف رمالنا أن يسمي ابنه (سعيد مطر)، مستعيداً سحر الأسماء التي تمنح حاملها شيئاً من القدر المخبوء فيها. منتظراً أن تمتلئ حياته بالسعادة، وتعبق بالخير. لست أدري كم كان محقاً في ذلك. فالحياة التي لا تتعرف على أبنائها إلا عندما ينطوون ليعودوا إلى عناصرها الأولى لم تمنحني فرصة أن ألتقي هذا المسحور بالكلمات، لأعرف إن كان السحر قد فعل فعله، أم أنه، كجلّ أحلامنا التي بنيناها في عصر النبوءات الكبيرة، ذرته الرياح. كل ما أعرفه أن هذا السعيد حقق سحراً آخر، ربما كان سحراً أسود، على طريقة ديانات إفريقيا الغارقة في ماضيها. أو ربما سحراً شريراً على طريقة أمريكا التي تحلم بفتوحات الإسكندر وجنون نيرون. أو قد يكون السحر الساخر لقضايا مصيرية تنحل بمؤتمرات وملتقيات ومنتديات وحفلات استقبال وغداء وعشاء. ولعله السحر العبثي لهذا العالم الذي تعلمنا جيداً كيف نمضي فيه منتظرين الكوارث عند كل منعطف.
سعيد مطر، أمسك قلمه ذات ليلة من هذه الليالي التي انفتحت فيها السماء لتغيث، ثم لتُشبع، ثم لتشرع في التدمير، وكتب بضع كلمات لم تحمل شيئاً من نبضه الخاص. كتب زاوية لتشكو واقع حالٍ إلى الذين لا يقرؤون الصحف إلا ليطلعوا على الشكاوي التي تمسهم فيردون عليها بأنهم، بكل تواضع، اطلعوا على واقع الحال، وتبينوا أن الصحفي كان منحازاً ومتسرعاً ويخفي الكثير من النوايا الشخصية الخبيثة.شكوى بسيطة ككل الشكاوى التي نقرؤها في كل الصحف العربية ليل نهار، حملت همّ من ينتقل على طريق الرقة - حلب. أولئك الذين يحملون كفنهم بأيديهم وهم يعبرون الطريق الوحيد الذي يربط مخزن حبوب البلاد (يا لهذه التسمية العبقرية!) بمركزه الصناعي. ولأن الوقت طويل بين الرقة ودمشق، بين مكان كتابة الزاوية ومكان نشرها في صحيفة (تشرين)، أرسل زاويته عبر الأسلاك التي تختصر كل شيء، وحمل جسده ليلحق بها.
كان سعيد مطر يعرف أن (ضحايا طريق الرقة - حلب)، الزاوية التي كتبها في الرقة، لن تهز شعرة في جسد السادة الذين يتربعون على عروشهم، أولئك الذين لديهم من يقرأ الصحف المحلية كلمة كلمة، ثم يدبّج رداً يبرهن فيه برهاناً لا يدحض أنه قد عاين الأمر على أرض الواقع، واكتشف النوايا الخبيثة والمصلحة الشخصية والتحيّز واللاموضوعية في ما يقوله الصحفي ذو المآرب الشريرة. كان يعرف أن مسؤولين يحذّرون مرؤوسيهم ألا يتعاطوا مع الصحافة إلا بكتاب رسمي من حضراتهم تحت طائلة المسؤولية، هم مسؤولون لا يهتمون بمن يموت ومن يحيا. كان يعرف أن رجالاً يوجهون إنذاراً، في الساعة العاشرة من ليل عاصف وبارد، عبر التلفزيون، لسكان حوض العاصي، أن يُخلوا منازلهم لأن مصارف مياه قطينة ستفتح بعد ساعات قليلة، أي بعد منتصف ليل مدلهم، تاركاً لهم أن (يدبروا حالهم)، هم رجال لا عيون لهم ولا آذان. كان يعرف أن وزراء ومدراء ورؤساء شُعب وموظفين وبوابين يخضعون لرقابة مجلس ينتخب أعضاءه على أساس الصورة الأجمل والدعاية الأوسع انتشاراً والمضافة الأكثر بذخاً، هم إداريون لا يهتمون بطريق عابر في محافظة نائية.
ما الذي كان يعرفه أيضاً سعيد مطر؟ بالتأكيد كان ككل مواطن من الملايين الكثيرة من المواطنين في هذا البلد، يعرف كل المعلومات التي يمكن تناقلها في ليالي السمر مع الأصدقاء، ويمنع تداولها أو التصريح بها أو نقاشها علناً. لكن شيئاًَ واحداً لم يكن يعرفه، أن زاويته التي عبرت الأسلاك الهاتفية لم تكن إلا نعوة خاصة، نعوة يكتبها هو لنفسه صرخة احتجاج مطبّقة عملياً، معارضة ساطعة لنعوته الرسمية التي نشرت في العدد ذاته، على الصفحة الخامسة عشرة، دون أن ينتبه أحد لسخرية المصادفة. محولاً زاويته في اللحظة ذاتها إلى الزاوية الأكثر صدقاً في العالم (حسب تعبير الصديق يعرب العيسى).
آن لنا، كما كشف سعيد مطر، أن نخاف جدياً من الكلمات. فهي لم تعد وسيلة تواصل وحسب. لم تعد بنية حاملة لمنظومة فكرية ونفسية وتاريخية واجتماعية.. صارت الكلمات سلاحاً سرياً يقتل صاحبه كما فعلت أسلحة الملك فاروق بالجيش العربي ذات قرن. ومن يدري، ربما سأسقط ميتاً ما إن أنتهي من لفظ (أموت فيك) لحبيبتي، أو أنفجر شظايا عقب تصريحي (أطقّ من الضحك)، أو أطير متلاشياً حين أقول (أطير من الفرح). ربما كان سيحصل ذلك، لولا أنه لم يعد هناك حبيبات يمكن الموت فيهن، ولا ظرافة تطقّقُ من الضحك، ولا فرح يطيّر.