البارحة أيضاً عدت إلى البيت متأخراً كالعادة. وكالعادة أيضاً استقبلتني زوجتي بوجهها (المبوزم) مستاءة من تأخري اليومي، من أنها تكاد لا تراني، من أننا لا نجد وقتاً كافياً لنتبادل الحديث، لنزور أصدقاءنا، ليزورنا جيراننا، لنقرأ، أو لنفعل أي شيء. باختصار لا نجد وقتاً كافياً لنعيش معاً.
وكالعادة نبدأ حديثنا بهدوء، ثم لا يلبث أن يتحول إلى صراخ، لنحاول بعدها ترقيع ما ينذر بأن يمتنع يوماً عن الترقيع.
وزوجتي -وأنا طبعاً- تعرف أنني لا أرتاد الملاهي ولا المقاهي، ولا أذهب لأتسلى، ولا أقوم بنشاطات ليلية ما. وأن طريقي اليومي شبه الوحيد هو من البيت إلى العمل، ومن العمل إلى البيت. إذاً هي تعرف مثلي تماماً أنني أتأخر في الشغل. ولذلك يبدو (حديثنا) اليومي كحديث طرشان. فهي وأنا نعرف أنه لا يمكنني ترك عملي، إذ ليس لدي إرث من أي درجة، ولا حساب مصرفي ما. ولا يمكنني تغيير عملي، على الأقل لأن الحصول على عمل في هذا البلد هو بحد ذاته نجاح باهر، بغض النظر عن طبيعة العمل وشروطه. ونعرف أن علاقاتنا الاجتماعية - نظراً لأن الإنسان كائن اجتماعي- تتدهور وتتراجع بسبب ضيق الوقت هذا، ونتحول شيئاً فشيئاً إلى كائنات معزولة. ونعرف أننا نشتاق بعضنا إلى بعض دون أن يمكننا إطفاء هذا الشوق، ونعرف أننا نصير أكثر فأكثر مجهولين - وربما غريبين - لبعضنا بعضاً.
ربما تكون معرفتنا البسيطة هذه هي التي تسبب لنا المشاكل. فهي تعمل على منعنا من التصالح مع (واقعنا) واعتباره أمراً طبيعياً كما يفعل الكثير من الناس.
أعرف أن هذه حكاية مملة لأننا جميعاً نعيشها يومياً منذ وقت طويل، ونترحّم كل يوم على اليوم الذي مضى، منتظرين غداً أكثر صعوبة. لكن ما جعلني أرويها مع ذلك، هو برنامج تلفزيوني عُرض على (شاشتنا الصغيرة، إطلالتنا على العالم الذي نحب!!) في اليوم ذاته الذي تشاجرنا فيه للمرة الأخيرة، وظهر ناس (مختصون) يتحدثون عن خصوصية واقعنا الاجتماعي، من حيث نسيجه المترابط، وعلاقاته الحميمية والمشدودة بعضها إلى البعض، كما تتجلى في الأسرة على نحو رئيسي. الأمر الذي يفتقده الغرب الذي غرق (يا حرام!) في فرديته إلى الدرجة التي لم يعد فيها يعرف طعم المودة والحياة المستقرة الهادئة!؟.