من قال إننا فقراء؟ هذا رجل مغرض دون أدنى شكّ. لا يحتاج البرهان على ذلك إلى الكثير من الجهد، فأنا شخصياً (كأن شخصياً هذه تحمل أي معنى أو مصداقية إضافية!) أعبر كثيراً في شارع الحمراء، في الصالحية، والقصاع وباب توما، وأتأمل الواجهات المليئة بالأشياء الرائعة:
بناطيل جميلة من ماركات حديثة لا تكاد تضم أي اسم محلي إلا بصفته صاحب امتياز. قمصان بأشكال وألوان لا تُحدّ. بزّات غاية في الأناقة. مطابخ رائعة تُحوّل الطبخ من مهمة شاقة مزعجة، إلى تسلية لطيفة ومريحة. غسالات آلية تخفف كثيراً من وطأة الجدل القديم حول العمل غير المرئي (أي غير المأجور) للمرأة في المنزل. غرف نوم تفتح الخيال على احتمالات لا تُطاق. ثريات من الكريستال تحتاج حتى لا تصطدم بالأرض إلى سقوف بالغة العلو، لم تعد موجودة إلا في الجوامع والكنائس الباهظة البذخ، على عكس ما دعت إليه الأديان جميعاً.
ثم انظروا: كم من البيوت بقي دون ثلاجة، وإن شبه فارغة، وتلفزيون ملون، وإن وضع على الأرض؟ بل كم بقي منها لا يتربع على سطحه طبق يجلب الدنيا، بقضها وقضيضها رغم أنف الرقيب الذي يحاول أن يطيل أنفه كمهرج يعاكس الدنيا، إلى عينيه الغارقتين في نعس الإرهاق؟ انظروا كيف اتسعت المدن التي أخذت صفتها هذه من تخلف محيطها، لا من تطورها هي، كل هذا الاتساع في عقود قليلة؟ من أين جاء هؤلاء الناس بالنقود لكي يشتروا أرضاً كان يجب أن تبقى بستاناً يدعى غوطةً، أو كانت للدولة (أي أن الدولة لم تجد، في يوم قديم، صك ملكية باسم أحد ما يتعلق بهذه الأرض، فامتلكتها برحابة صدر) قبل أن يضع يده عليها أحد ما (مع أن هذه الـ(ما) ليست دقيقة، فهي خاصة بغير العاقل، ومن يمتلك السطوة والقدرة على فعل ما يفعله يصير عاقلاً بشهادات لا تُطعن)، ثم يقسّمها ويبيعها لهؤلاء القادمين من المدن الصامتة التي لم تتقن من الحضارة سوى صنعة بناء البيوت وتجارة سوق الهال، ونسيت أن في الدنيا اختراعات جديدة تدعى معامل ومصانع وورشات. ومن القرى المنسية التي كانت ذات يوم تقوم بأود من يقيم فيها. ثم كثر الناس، ولم تعد غلة الأرض تكفي، ولم تمدّ الدولة التي هي ملك للجميع (كما درسنا في كتب الوطنية والقومية) يدها المبنية من عرقنا، لتساعدنا. كما لم يعد العرق المتفصد من جبين الفلاح. وهو منحنٍ يفلح ويزرع ويحصد، قادراً على منافسة الـ(ديودوران) برائحة التفاح أو رائحة الكيوي؟
فقراء؟ من أين للفقراء أن يبنوا حول دمشق ملحقات تصير أكبر من دمشق؟ ليس مهماً أن بيوتها تحتاج إلى متسلق جبال، فهذه رياضة ينصح بها الأطباء للوقاية من أمراض القلب. وليس مهماً أنها بيوت تحرق في الصيف وتَكِفُ في الشتاء، فهذه حالة تنصح بها مريم نور من باب أن الطبيعة هي أمنا وأبونا، وأن عودتنا إلى حضن أمنا وأبينا، مهما عصينا، هي عودة حميدة. ليس مهماً أن الكهرباء تصل إلى هناك منقطعة الأنفاس، فتكاد تخلط بين ضوء المصباح الكهربائي وضوء شمعة ذابلة، فالرومانسية حاجة بشرية.
فقراء؟ نعم فقراء. ولكننا نخجل. ليس لأن الفقر ليس رجلاً لم يجد من يقتله، بل لأن الفقر عارٌ حين يكون حيث يكون الخير. لأن بلادنا بلاد خير، وليست فقيرة. كلنا يعرف ذلك. من قمح الجزيرة ونفطها إلى بيارات الليمون المتكئة على البحر. من بساتين زيتون عفرين إلى سهل حوران. من مصنع الجرارات الذي كان ذات يوم علامة فارقة إلى أصغر ورشة خياطة في ببيلا. من مصممي المواقع الالكترونية إلى مصلحي دارات الهاتف. من العمال بعضلاتهم في الخليج إلى العلماء الذي يزحفون ليحصلوا البطاقة الخضراء. من أول البلاد إلى أصغر طالب فيها. بلاد خير.
ليس هذا فقط. بل أيضاً من أصغر سيارة فارهة مركونة في مرآب مليء بالسيارات الفارهة، إلى آخر المزارع والقصور المتشبهة بقصر الرشيد. من أصغر ثروة تكونت بين ليلة وضحاها، إلى الثروات التي تحولت إلى غيلان لم تعد تكتفي بلحس سيقاننا، بل تمتص روحنا كما مصاص الدماء. من أين أتت هذه الثروات؟ هل هنا من ما يزال يعتقد أن النقود يمكن أن تنجب نقوداً؟ أن مئة ليرة تحت المخدة يمكن أن تصير في الصباح ألفاً؟ أن العمل الشريف يمكن أن يضاعف ثروة في سنوات قليلة مرات عدة؟
لذلك نخجل. لأن فقرنا لم يقدره الله علينا، لأن أرضنا ليست صحراء وناسنا ليسوا جهلة أغبياء. لأننا لسنا كسالى بطرين. ولم نرفس النعمة يوماً. لكن..