منذ بعض الوقت، تصاعد التأييد الشعبي لشعار مقاطعة البضائع الأمريكية. وتفنن الناس في تعليق لافتات مختلفة تدعو إلى هذه المقاطعة، من مثل: (لا تكن شريكاً)، أو (لا تدفع ثمن الرصاص الأمريكي بشرائك بضائع أمريكية) وغيرها الكثير نراه في كل مكان، من الجدران إلى واجهات المحلات إلى خلفيات بعض السرافيس.
عدد كبير من الناس أقدموا على مقاطعة هذه البضائع (القليلة أصلاً في بلادنا) رغم قناعتهم أن هذه المقاطعة لن تؤثر على الاقتصاد الأمريكي. لكنها موقف معنوي مؤيد للانتفاضة الفلسطينية من جهة، وموقف معنوي معاد لانحياز الولايات المتحدة المطلق للصهاينة من جهة أخرى.
تساءل الكثيرون: إذا كانت الحكومة لا تقوم بأي مبادرة باتجاه المقاطعة لأسباب سياسية أو دبلوماسية أو غيرها، فلماذا لا تبادر النقابات والمنظمات العمالية والفلاحية والمهنية وما إلى ذلك، والمفترض أنها نقابات مستقلة، بالقيام بأي نشاط يعبر عن مقاطعتها –أو حتى تأييدها للمقاطعة- للبضائع الأمريكية؟
حين اشتد النقاش حول المجتمع المدني في سوريا، تعالت بعض الأصوات لتؤكد أن هذه المنظمات والمؤسسات ما هي إلا تحقيق للمجتمع المدني، وأنها تعبر عن الناس وآرائهم ومواقفهم. لكن الغريب أن جميع هذه المنظمات بلا أي استثناء طبقت موقف الحكومة بحذافيره، ولم يصدر عن أي منها أي دعوة لتطوير، أو حتى لمواكبة، الإحساس الشعبي العام بالقيمة المعنوية لمقاطعة البضائع الأمريكية.
الأنكى أن إحدى الجهات الرياضية، التي من المفترض أن تلتزم الصمت المتعارف عليه على الأقل، بادرت إلى إقامة مهرجان رياضي شهير تحت رعاية.. احزروا من؟؟ "أبل ماكنتوش"!!
"أبل ماكنتوش"، الشركة الرائدة في صناعة الكمبيوترات والبرامج المعلوماتية، هي باختصار واحدة من أهم الرموز الأمريكية على مستوى العالم. بل هي أهمها على مستوى صناعة المعلوماتية.
لست معنياً بالأسباب والمبررات التي يمكن سوقها في تبرير أن تكون هذه الشركة هي راعية هذا المهرجان، ولا في أن تمتلئ الشوارع بلوحات الدعاية لهذا المهرجان ورمزه في إطار شعار التفاحة المقضومة (شعار "أبل ماكنتوش"). لكني معني بالقول إن هذا ليس مجرد استفزاز لمشاعر الناس، وليس مجرد خطأ بالطبع، إنه ببساطة رد واضح وعملي من "ماكنتوش"، يعني رداً من شركة أمريكية تشهر لنا في وجوهنا إصبعنا ذاته، رداً يقوم به من قَبِل أن يكون هذا المهرجان تحت رعايتها.
لا مكان هنا للنوايا الحسنة. ولا مكان للحيادية. قد تكون للحكومة أسباب سياسية أو دبلوماسية تمنعها من المشاركة في المقاطعة، أو من الدعوة لها. لكن ماذا يعني أن بعض أولئك الذين لا يمثلون الحكومة رسمياً (على الأقل)، وليسوا جهة خاصة لنقول إنها تركض وراء الربح (للملاحظة نشير إلى حقيقة أن أغلبية الملصقات الداعية إلى مقاطعة البضائع الأمريكية ملصقة على واجهات المحال في القطاع الخاص)، يقومون بطعن المبادرة الشعبية علناً وبأوقح صورة؟ ماذا يعني أن تجد وسيلة إعلانية تضع ملصقاً يصرخ بك "لا تكن شريكاً"، وتحتها مباشرة ملصق آخر لرعاية شركة أمريكية لمهرجان شبه رسمي؟ هل هذا وجه آخر لديمقراطيتنا الخاصة؟