المشكلة أن مقعد السرفيس مهترئ حقاً. وقطع الحديد الصدئة وذات الحواف الحادة لا تترك رأساً، صغيراً كان أم كبيراً، فتياً أم عجوزاً، يتأمل في شيء آخر غير سيل الشتائم التي صارت لازمة ينصح بها المحللون النفسيون وأطباء الأمراض العصبية كوسيلة غير مضمونة لتفادي الانفجار،
ما إن تتحرك المركبة التي تدفع ضرائب، جمارك وترسيم ورشا لشرطة المرور، جعلت زائراً أجنبياً (ربما هو مدسوس من جهة خارجية لتعكير صفو الوحدة الوطنية) يفتح فمه مندهشاً: هذه المبالغ تستدعي أن تكون شوارعكم من زجاج! ربما كانت كذلك حقاً والمشكلة فينا. قد يكون أصابنا ما أصاب جمهور الملك العاري فلم نعد نرى إلا ما تهيئه لنا دواخلنا الفاسدة! أليس ذلك نتيجة حتمية لتخلينا عن حكمة الأجداد القرود الثلاثة؟ ألم نفتح أفواهنا وآذاننا وأعيننا ليدخل ويخرج منها الشر الذي هو مملكة العالم (الخارجي)؟ لو أننا أبقيناها مغلقة. كم كان العالم سيبدو أجمل! أليس ذلك ما قالته المرأة التي وُصف صوتها بأنه (خيط عسل في بقعة من ضوء)، ورسمت خيال جيل كامل معلمة إياه كلمات الغزل والحنين والحب وهي تدندن: يا ريت.. إنت وأنا بالبيت..!
مقعد السرفيس مهترئ. والشارع مليء بالحفر والمطبات. الهواء مثقل بثاني أوكسيد الكربون وذرات الرصاص وضجيج الإذاعات السخيفة والمحطات الفضائية التي تتقن كيف تحوِّل الوقت إلى تفاهة. وتحوِّل الإنسان إلى دريئة. واجهات المحلات الملمعة حديثاً تعرض بضائع سيئة الصنع أو مغشوشة. أكشاك اتحاد الكتاب العرب تعرض كتباً تلوحها الشمس وتلويها الرطوبة دون أن يحن أحد على الجالس خلف النافذة بضجر قاتل. المكتبات تفرد خلف زجاجها كتباً تسعّر بأضعاف تكلفتها الحقيقية وتشكو انعدام القراء. الصحف التي تتنافس على بضعة آلاف من النسخ لا تخجل من تكرار الأخبار المُقرَّرة دون أي تحرير. شركتا الخليوي اللتين تقومان بأود صناعة الإعلان منذ سنين عدة ما تزالان تطرحان الإعلانات ذاتها في الوقت ذاته، مع اختلاف الألوان، مصرتين على الإيحاء الغبي بأنهما تتنافسان. شرطة المحافظة تطارد البائعين الجوالين الذين لم يدفعوا. والبائعون الجوالون يطاردون الناس العابرين. والناس العابرون يطاردون أرخص ما يمكن في محاولة يائسة لتقليل عدد أيام الجيوب الفارغة. شرطة الآداب تحاصر عاشقين يمسك أحدهما بيد الآخر في حديقة وتغض النظر عن بيوتٍ ونوادٍ ليلية وحفلات ألف ليلة وليلة. أجهزة الأمن تلقي القبض على فكرة عابرة تتسلل عبر نوافذ الإنترنت متخيلة أنها اكتشفت الثغرة المجهولة في دون كيشوت. ورجل نصف مجنون، كان عاقلاً ذات يوم، يصرخ أن لديه معلومات أكيدة عن أماكن أسلحة الدمار الشامل التي كانت عراقية. شباب يبحثون بضبابية وتوتر عن مكان ودَور. وشيوخ لا يتركون مكاناً ولا دَوراً لغيرهم. نساء قلقات من انقضاء عمر الخصوبة دون مساهمتهن في الحفاظ على النسل البشري. ورجال قلقون على مستقبل من سيحمل أسماء أبائهم وأجدادهم. ضجيج شديد خارج الجمجمة. وضجيج أشد داخلها.
وإذاً! ما ذنبي أن العالم مملكة الشر؟ وما ذنبي أنني ولدت في هذا العالم لا غيره؟ أيجب علي أن أنسحب منه تاركاً إياه لأوليائه؟ أيجب علي أن أطأطئ رأسي وأهز ذيلي شاكراً نعمة أنني ما زلت على قيد الحياة؟ ومن قال إن الحياة ستقف عند أحد ما، من يكن؟ هل هناك من يعرف خالداً على وجه الأرض؟ هل هناك من يعرف بقعة واحدة في الأرض لم تتغير؟ بل هل هنا من يعرف بقعة واحدة في الأرض لم يغيرها أصحابها حين أرادوا ذلك؟
ربما كانت القصة كلها هنا. في تلك الإرادة التي ركنتها جانباً ذات مساء مظلم تاركاً (للحيط الحيط) أن يقودني إلى ما هو أكثر رطوبة وظلاماً! وما الذي يفعله (الحيط) غير أن يقوم مقام تلك القطعة القاسية التي توضع على جانبي وجه البغل؟ أليس لهذا السبب يقال إن الحمار لا يقع في الحفرة ذاتها مرتين؟ كيف له أن يفعل ذلك إن كان لا يرى غيرها؟
ثم كيف يمكن لي أن أسدّ منافذ العقل الثلاثة، وأرخي رأسي على أي شيء في العالم، وأطمئن؟ أليست هذه المنافذ هي الوحيدة التي جعلتني ما أنا عليه؟ ألا يقال إن الرغبة تنبع أصلاً من العقل؟ ما الذي سيبقى لي حينئذ؟
ربما لم يعد لدي خيارات. لم يعد لدي وقت كاف للخيارات حتى لو توفرت.