لابد إذاً أن أغسل وجهي كل صباح. في الشتاء البارد، حين قطرات الماء تشبه طعنات السكاكين. وفي الصيف القائظ. في الربيع الذي اعتدنا على وسم حياتنا به حين نريد الإشادة بها مدعين أن كذا ربيعاً مرّ فيها. وفي الخريف الذي نحمّله كل خيباتنا. متشائمين من أنه حل قبل الأوان، ومموهين رغبتنا الدفينة في أن لا يحل أبداً. ليست مشكلة كبيرة. فأنا أنتمي إلى جنس من الكائنات الحية اشتهر، أكثر ما اشتهر، بقدرته الفائقة على التأقلم مع مختلف ظروف الحياة المادية والنفسية.
فهو الوحيد الذي ينتفخ بطنه حين يبلغ به الجوع حدّ الطوى. وهو الوحيد الذي يستطيع تبرير السجن والمنع والمصادرة بالحفاظ على القيم والأخلاق والعادات والتقاليد التي تبدو، حينئذ، كمومياء حية تسيطر على كل شيء. وهو الوحيد الذي لا يجد أدنى مشقة في تبرير الذل بالضرورة، والفساد بالحاجة، والموت بالخصوصية! هو الوحيد الذي استطاع أن يعيش في الغابة متنقلاً من غصن إلى آخر. ثم كجرذ في الكهوف الحالكة الظلام. ثم في حفر ظن أنها ستحميه مما ينتمي إليه. وحين عاد إلى وجه الأرض ليبني بيوت الطين أنزل الطين إلى مرتبة الشياطين وشرع باستبدالها بقصور من الحجر والمرمر. وأخيراً، هاهو ذا يبدأ استعمار ما كان حتى البارحة يسكن فيه الآلهة من كل الأشكال والألوان. وبالتالي ليس من المنطقي أن يتوقف أمام تلاؤم بسيط كغسيل الوجه كل صباح. لكن المشكلة هي أن غسيل الوجه يستدعي، تلقائياً، الوقوف أمام المرآة لتسريح الشعر!
المرآة! مَن ذاك الأحمق الذي اخترع المرآة ذات يوم؟ ذلك السطح الصقيل والقاسي والبارد. والقادر على قول كل شيء، وأي شيء، بأكثر الأساليب صفاقة ووقاحة! ألم يكن شريراً بما يكفي لكي يخلد! ألم يكن جديراً بالذكر أكثر من أولئك الذين سودوا صفحات التاريخ بقصص جواريهم! وأولئك الذين حفروا أسماءهم على أجساد الجيوش الجرارة الذاهبة من هزيمة إلى أخرى! ربما لأنه كذلك، لأن اختراعه كان أكثر قسوة وديمومة من أن يسامحه بنو البشر، كان يجب أن يندثر هو، تاركاً خلفه أثراً يلاحقنا كل صباح. وأي أثر!
كل صباح، مرة على الأقل، عليّ أن أواجه حقيقتي مباشرة دون أية مراوغة. دون أية مساعدة من أمّ أو صديق أو حبيب. ليست تلك الحقائق البسيطة والمزعجة كالشعر الذي بدأ يشيب، أو التجاعيد التي شرعت تخطط الوجه، أو الهالات السود التي تكتنف العينين المتعبتين من السهر. فهذه كلها تكفلت بحلها مستحضرات التجميل التي صارت من (أساسيات الحياة)! بل تلك المختبئة داخل جمجمتي، وخلف قفصي الصدري. تلك التي أمضي نهاري كله وأنا أصوغ العبارات والمجاملات وآليات السلوك المناسبة لجعلها أبعد ما يمكن عن الرؤية. تلك التي أبذل في إخفائها جهداً لو بذلته في تفتيت صوان الأرض لحولته إلى تراب.
لماذا عليّ أن أفعل هذا؟ لماذا أهزّ رأسي موافقاً، أو مراوغاً بينما أعتقد أن ما يقال أمامي هو خطأ؟ لماذا أسامِح، كقدّيس صغير، حين يضج قلبي بالعتاب؟ لماذا أبتسم كخليّ البال بينما الدمعة تقف على طرف الجفن؟ لماذا أستمر كمحارب شجاع وأنا أرغب في الانسحاب؟ لماذا أغازل كدونجوان والملل يسحقني؟ ربما كان ذلك النوع من الكذب الذي يسمونه (المجاملة) هو ملح الحياة. كأن الحياة ليست سوى طبخة ما! مع ذلك، كيف سيكون طعمها لو صارت كلها ملحاً؟!
كان يمكن لذلك كله أن يبقى في سابع أرضين. حيث لا يمكن لأحد أن يراه، حتى أنا. لكن، تلك المرآة اللعينة!
بسام القاضي، جريدة النور 12/11/2003