.. فإذا كان لا يمكنني قبول ما أنا عليه الآن: مادة خرساء للآخرين، فما الذي يجب أن أكونه؟
لا يبدو لي سؤالاً بسيطاً أو سهلاً في هذا العالم الذي نعيش فيه. بل أظن أنه أكثر تعقيداً من اللحظة التي صرخ فيها رجل نصف عصابي: (أكون أو لا أكون. تلك هي المسألة).
أريد أن أكون إنسانياً. وحين فكرت في إدانة العمليات الانتحارية التي تقتل المدنيين الإسرائيليين، لم أستطع أن أزيح عن مقلتي صور الأطفال والنساء والشيوخ الذين يُقتلون يومياً برصاص الاحتلال! فكرت أن أوافق على حق الدول المتقدمة في تقنين هجرتي إليها لأنني أزيد بهجرتي من مصاعبها الاقتصادية، لكنني فشلت في تجاهل أن رفاهية هذه الدول تقوم، بجزء أساسي منها، على نهبها لثرواتي بدءاً من ثرواتي الباطنية حتى فوائد القروض المجحفة التي أدفعها من دمي! أردت أن أعدّ رجل الأمن مواطناً مثله مثلي، لكنني لم أتمكن من نسيان أنه انحرف عن وظيفته الأساسية ليصير قائماً مطلق الصلاحية على ضبط تفكيري وسلوكي وفق ما يراه مسؤولوه! أردت أن أجد قواسم مشتركة بيني وبين أصحاب إمبراطوريات الاتصالات والمرتديلا والموز ووكلاء السيارات.. لكن لقمة عيشي اليومية المغمسة بالعرق والجوع أجبرتني على غير ذلك!
ألا تحتاج الإنسانية، حتى يمكننا أن نتمثلها، أن نكون جميعنا بشراً متساوين في الإمكانات المتاحة أمامنا؟
أردتُ أن أكون ديمقراطياً، وحين فكرت في ما يقارب المليون الذين ذُبحوا بالسكاكين والبلطات في رواندا لأسباب تتعلق بنقاء الدم، ارتعشتُ خوفاً! قلتُ لنفسي إن من حق أسامة بن لادن أن يستلم السلطة إذا فاز بالانتخابات، لكنني تذكرت أنه منع حلق اللحى وسماع الموسيقا وتعليم الإناث، ودمّر تماثيل بوذا على أنها أصنام، وكفّر الديمقراطية والديمقراطيين وأحلّ دمهم! حاولت أن أجد تفاؤلاً في الديمقراطية الأمريكية المحمولة على الدبابات في العراق. فلم أنجح في إلغاء حقيقة جثة الصحفي الذي قتلته هذه الدبابات لأنه لا يقول ما تريد! ولا الجثث التي تتراكم يومياً تحت جنازير تلك الدبابات! أردت أن أتبنى فكرة خصوصية مجتمعاتنا وما تتطلبه هذه الخصوصية. لكن قانون الطوارئ والمحاكم الاستثنائية والفساد المستشري قضى على فكرتي هذه بالضربة القاضية!
ألا تحتاج الديمقراطية إلى سيادة قانون ديمقراطي ومستقل وصارم؟
أردت أن أكون حراً، لكن كيف أكون حراً بينما أنا مرتبط بدخل متدني إلى درجة أن إيجاد طريقة لتوزيعه على حاجياتي الأساسية يشغل ثلاثة أرباع تفكيري؟ كيف أكون حراً في تفكيري وأنا ممنوع، بمختلف أشكال المنع، من الحصول على الحد الأدنى من المعلومات الصحيحة التي لا يمكن أن يكون تفكيرٌ ما حراً دونها؟ كيف أكون حراً في التعبير عن آرائي وأنا ممنوع من تشكيل أي شكل من أشكال التجمعات لا توافق عليها أجهزةٌ يفترض أن لا يكون لها أي علاقة بهذا الأمر؟ كيف أكون حراً تحت دستور يصون حريتي وقوانين تنتهكها؟ كيف أكون حراً في إيجاد شريكة حياتي بينما كلانا مسجون بقبائل وطوائف يعتقد كل منها أنها الفرقة الناجية؟ كيف أكون حراً مع امرأة تسميها القوانين نصفَ المجتمع، وتعدّها خادمته ومصدر غوايته؟ كيف أكون حراً في إنجاب الأطفال وتربيتهم وأنا عاجز عن ضمان تفصيل واحد من مستقبلهم؟
ألا تحتاج الحرية أن أتحرر من القيود المسبقة المرتبطة بأزمنة وظروف أخرى؟
ما الذي أردته أيضاً؟ أن أكون مواطناً؟ ما الذي يعنيه ذلك؟ أن أدفع ضريبة دخل تفوق نسبتها ما يدفعه أصحاب شركات النقل السياحي التي اقتربت كثيراً من مستوى خدمات الهوب هوب دون أن تجد من يذكّرها بتصنيفها؟ أن أتقدم إلى مسابقات رسمية للتوظيف يعرف الجميع أنها مخصصة لأصحاب الأيدي الطولى وأقربائهم فقط؟ أن أعمل في القطاع الخاص دون أي ضمانات. وتحت رحمة توقيعي الإجباري على أوراق استقالتي احتياطاً، قبل أن أباشر العمل؟ أن أنتسب إلى نقابات تُرسم سياساتها، حتى المهنية منها، خارج مؤتمراتها وجدرانها؟ أن أنتظر أكثر من نصف ساعة لأستقل سرفيساً بعد مزاحمة شديدة لأن الذين رتبوا صفقة السرافيس ذات يوم (اكتشفوا) الآن أنها تلوث البيئة فقرروا منع زيادة عددها دون أن يتعبوا أنفسهم في إيجاد حل للأعداد المتزايدة من البشر التي لم تعد تستطيع استخدام البغال في تنقلاتها؟ أن تجبر المحلات على إغلاق أبوابها في التاسعة مساء لأن الذين اتخذوا هذا القرار في ظروف أمنية محددة لم ينتبهوا إلى أن الوضع قد تغير كلياً؟..
بسام القاضي، جريدة النور، العدد 249، تاريخ 5/5/2004