حين رأيتك في المرة الأخيرة عرفت أنك تعرف أنك مصاب بالسرطان. وفاجأتني معرفتك. ربما لأنني كنت أتوقع في أعماقي أن هذه المعرفة قاسية إلى درجة أنه لا يمكن لأحد أن ينالها دون أن تدمره، ككل المعارف المصيرية في الحياة. لكن أنت على الأقل، تثبت أن اعتقادي كان خاطئاً. هاأنتذا تعرف، وتعرف الألم الذي نتخيله ونرى بعض آثاره على محياك دون أن نعرفه، وتعرف الصراع النفسي الذي يرعبنا من بعيد، وتعرف أكثر من كل ذلك كيف تضحك.
بلى، لقد رأيت ضحكتك الممزوجة بالألم المبرح، تلك التي لا يمكن أبداً أن توصف، مع أنها تخترق طبقات اليأس لتمنح الأطفال الصغار والزوجة والضيوف، وأنت أيضاً، أملاً لا يحد.
حين رأيتك في المرة الأخيرة عرفت أنك تفعل كل ما تستطيع في معركتك الخاصة:
تتابع العلاج بدأب وصبر، تهتم بمن يزورك اهتماماً كاملاً، تتابع أخبار الغائبين، تنتقي الثياب والألعاب هدايا في العيد، وتجد فسحة كافية لترسم الضحكة على وجوه الآخرين، الآخرون الذين يشعرون بطريقة ما أنهم محرجون ثم لا يلبثون أن يتأكدوا أنك أقوى من عجزهم وإحراجهم. تفعل كل ما تستطيع في معركتك الخاصة، دون استسلام، دون انتظار معجزات ما، دون شكاوٍ تزيد أعباءك وتزيد أعباء الآخرين.
بدت لي مواجهتك (العادية) هذه مع قسوة المرض أكثر بلاغة من الخطب الطنانة التي نسمعها يومياً عن (مواجهتنا) التي لا تنتهي مع الإمبريالية، مع التخلف، مع الاستسلام، مع الاقتصاد المنهك، ومع المؤامرات التي لم تنفك تحاك ضد أمتنا (داخلياً وخارجياً) منذ فقدنا منطق الحضارة واستدرنا لنتبع الآخرين عملياً دون أن نكف عن شتمهم والشكوى من تعاملهم غير العادل معنا!
بدت لي مواجهتك الصغيرة هذه، تحمل الحكمة الصغيرة والبسيطة التي نعرفها جميعاً، ونكاد جميعاً نتجاهلها. الحكمة في أن نفعل ما نستطيع، في كل مسارات حياتنا الخاصة والعامة. أن نجهد فعلاً في خدمة ما يفيدنا، أن نبذل في مواجهة مشاكلنا، أن نكف عن تحميل مصائبنا للآخرين، أو لقدرنا السيئ، أن نتحول عن الشكوى إلى العمل.
نحتاج إلى ابتسامتك يا أيمن، إلى إصرارك ودأبك، إلى إرادتك الطبيعية في الانتصار، ونحتاج إلى أملك.