ما إن فتحتْ زوجتي (أقصد حبيبتي) عينيها في الصباح المتأخر، حتى نظرت إليّ نظرة خاصة كمن يطلب شيئاً. شرعت أستعيد أحاديث الليلة الماضية باحثاً عن وعد ما قد أكون وعدته من باب (كلام الليل يمحوه النهار)، فلم أجد شيئاً. إذ إنني عاهدت نفسي، منذ رأيت تلك الشعارات التي ملأت شوارع دمشق، من مثل: (خبز وديمقراطية، المعلوماتية للجميع، الكفاءات الشابة تجعل الوطن شاباً، وطن حر وشعب سعيد) أن لا أعدَ وعداً يتجاوز سقف بيتي الذي يدلف، أو برّادتي الفارغة دائماً، أو فاتورة هاتفي التي لا أعرف كيف سأسددها.
(على سيرة الشعارات الانتخابية، كنت قد صرحتُ لأصدقائي المقربين، إذ لم أجرؤ على توسيع الدائرة الإعلامية نظراً لفعالية المرسوم رقم (6) الشائع الصيت بين المعنيين، والذي يمكنه أن يحكمني بالإعدام بسبب جملة أقولها، على أنها نشر للإشاعات الكاذبة، أو بسبب دخول خاطئ إلى موقع ما على الإنترنت على أنه اتصال بجهات أجنبية. والمرسوم المذكور محصن أكثر من أعضاء مجلس الشعب، إذ لا يمكن لأحد أن يعرّضه لأي شكل من أشكال الطعن والاستئناف، ولا يمكن لغير الحاكم العرفي أن يصدقه أو ينقضه. إذاً، كنت قد صرحت أنني سأنتخب من يرفع شعاراً واحداً أستطيع فهمه، من مثل: من أجل تزفيت الطريق الترابي أمام بيت بسام القاضي، أو إصلاح شبكة الكهرباء التي تزود حي الورد بتيار لا يتجاوز الـ 130 فولت.. ولأن أحداً لم يرفع شعاراً أستطيع أن أحاسبه عليه ولو بعد قرن، فضلتُ أن أحتفظ بنظافة بطاقتي الانتخابية).
لعلها (أقصد حبيبتي) حلمتْ حلماً غريباً أنني توقفت عن الاستيقاظ بوجه مكشر استعداداً ليوم حافل بالتعب والإرهاق و الخيبة التي لم أستطع الاعتياد عليها، رغم أنها صارت خبزاً يومياً يجب الاعتياد عليه كما اعتدت أن أطأطئ رأسي في السرفيس ذي السقف المنخفض الذي لم أستطع أن أحسم موقفي تجاهه في الجدل الذي دار حول ما سببه من تلوث وازدحام في المرور، فهو كفل لي انتقالاً سريعاً دون الوقوف طويلاً بانتظار سائق باص النقل الداخلي الذي جلس في إحدى محطاته، مع مراقب الدوام، ليتناول كأساً من الشاي. وأمام رب العمل الذي يعتقد أنه لم يشتر قوة عملي فحسب، إنما أيضاً جسدي وروحي وكل لحظة من يومي، مقابل أجر جعل بلدي في الصفوف الأخيرة من قائمة دخل المواطن (مفترضاً أنني مواطن) في العالم. وأمام موظف النفوس، الذي يعدّ مطالبته بـ (الحلوان) أمراً بديهياً أكثر من شروق الشمس في يوم صيفي... وأمام كل ما لا أمام له، ويعتقد بأنه إما أن يلحق نفسه ويدبّر أموره، أو سيروح بين الأقدام.
استبعدتُ هذا الاحتمال، فهي، ككل النساء، أثبتت مقدرة فائقة على التأقلم مع مستجدات الحياة مهما كانت قاسية أو تافهة، مقدرةً منحَتْها تلك السلطة الخفية التي يخشاها أقوى الرجال جسدياً وأشدهم سيطرة، فشرعوا ينسجون الحكايات منذ الأزل عن المرأة-الأفعى، والمرأة-الغول، والمرأة-الساحرة.. وينصبونها إلهة كعشتار طوراً، وشريرة كدليلة طوراً آخر، دون أن يتوقفوا لحظة واحدة عن الركوع عند أول إشارة من يديها الموصوفتين بالنعومة والرقة، رغم أنهما تشققتا على الدوام من أثر المنجل وجلي الصحون، أو الآلة وجلي الصحون ، أو الكمبيوتر وجلي الصحون ، أو سنارة الصوف في الوظيفة.. وجلي الصحون أيضاً. وبالتالي، لا بد أنها اعتادت على استيقاظي المنفر هذا، وكفّتْ عن اعتباره سلوكاً مقصوداً موجهاً ضدها.
ما الذي يجول في ذهنها الآن؟ لعلها قرأت، بطريقة ما، زاويتي الماضية التي رأيتُ فيها أنه لم يعد هناك حبيبات ليموت المرء فيهن، وأثارت اعتراضاً شديداً بين صديقاتي اللواتي عددن الأمر إهانة للمرأة، وحطاً من قدرها. فقد حاولتُ ألا أطلعها عليها، خوفاً من أن تعدّ الأمر شخصياً، وأضطر لمواجهة مالا تحمد عقباه. لكن هذا الاحتمال يقتضي أن تكون غاضبة لا مبتسمة.
في الحقيقة، عدت بعد جولتي الذهنية السريعة هذه، مستسلماً للمقولة القديمة التي تشير إلى المرأة بصفتها كائناً غامضاً لا يمكن للرجل أن يفهمه. وكيلا أعترف بهزيمتي هذه، استرخيت عادّاً نفسي قد فهمتها، وابتسمتُ كمن وصل أخيراً إلى برّ الأمان، وقلت لها بضع كلمات غزل، من تلك التي لم أقلها لها منذ زمن طويل، رغم تذكيرها الدائم لي بضرورة أن أفعل ذلك ولو من باب المجاملة. لكن ذلك لم ينفعني بشيء، إذ قهقهت بمرحٍ استثنائي وهي ترى ارتباكي، وهمست: اليوم عيد المرأة، ألا تقول لي: كل عام وأنتِ بخير؟