كنت قد ترددتُ كثيراً قبل أن أقرر أن ألتزم بالورشة الوطنية التي دعيت إليها قبل نحو 12 ساعة فقط من انعقادها! ورشة ستمتد على مدى ثمانية أيام. من التاسعة صباحاً إلى الخامسة من مساء كل يوم! وتحتاج إلى وقت آخر ليس قليلاً لأراجع فيه وأفكر في البيت إذا أردت أن أحقق استفادة قصوى من حضوري.
كيف لي ذلك وأنا غارق في وطأة عمل أعيش من مردوده ويمتد إلى نحو 14 ساعة عمل يومياً؟! كيف ذلك وأنا لم أعرف عن الأمر أكثر من عنوانه الذي قيل لي على الهاتف؟! كيف ذلك وأنا الآن بحاجة ماسة لوقت (عائلي) طال تأخيري إياه؟!
أخيراً حسمت أمري أن أحضرها. إذ لا تتاح فرصة كهذه كل يوم. ولعل فيها ما يفيدني! ولم أكن أفكر، في لحظة قراري، أن (ما يفيدني) قد يكون معرفة مختلفة! كان أقصى ما أتوقعه هو بعض الإضافات الصغيرة أو المعلومات المتفرقة! خاصة بموضوع يهتم بالمساواة بين المرأة والرجل وعدالة العلاقة بينهما بمفهومها الواسع.
لكن.. يبدو أن الأمر تجاوز ذلك! بل تجاوزه بطريقة سهلة وملساء كما لم تكن في يوم من الأيام! حرة وديمقراطية كما لم نعتد في حياتنا البسيطة الباهتة! محرض ومثير كما لم يعد هناك ما يثير ويحرض!
والآن، أريد أن أجري اختباراً عملياً على تفكيري. أقصد تفكيري بخصوصكِ أنتِ. ألستِ شريكتي وحبيبتي وزوجتي؟ وإذا كان هناك شيء قد تغير، ألا يفترض أن يبدأ هنا؟
إذاً، كنتُ قد وعدتكِ ذات يوم، حين بدأتِ تنسربين من حياتي دون أن أتمكن من إخراجك منها، أنني سأتغير. سأتوقف عن إزعاجاتي الصغيرة القاهرة التي تبدأ مع ارتفاع جفونك ولا تنتهي حين انسدالها. سأتوقف عن التكشير لأنك لم تشاركيني اهتماماتي التي لا تهمكِ. وعن الفحيح لأن اهتماماتك لا تهمني. سأتوقف عن محاولة تصحيح كل ما تقولينه. وعن تأكيد أن كل ما أقوله صحيح. سأجد حلاً لهذا الانشغال الذي يحرمني من تنفس الهواء الذي تتنفسينه. وسأجد وقتاً لترخي رأسك على حضني بينما نقشر الفستق ونضحك!
كنتُ قد وعدتكِ أنني سأغير ما أنا فيه. ظروف عملي التي أحتج بها على الدوام. وتربيتي التي ألجأ إليها كلما احتجتها. وطبيعتي الخاصة التي تنهي أي نقاش بكلمة واحدة تشبه الرصاصة غير المرتدة!
كنت قد وعدتك بكل ذلك. ولم يكن الوقت ليلاً. لكن هل كان نهاراً حقاً؟!
ربما كانت الشمس ساطعة. لكن الشمس التي تشرق تفعل ذلك لتوقظنا إلى عمل لا ينتهي. ولا يسد رمقاً. ولا يؤمن أماناً. ولا يحقق إنسانية! وربما كان القمر طالعاً. لكنه القمر الذي يطلع لأنه محكوم بدورته دون أن يهتم قيد شعرة بالعشاق الهاربين أو المتأخرين! هل كانت الساعة ترن؟ ربما. فهي ترن دائماً مصدِّعة رؤوسنا لتذكرنا بالزمن الذي يمضي، لا ذاك الذي يأتي! حتى حين نفتح الشباك لنستبدل بهواء تبغي الفاسد، هواء المدينة الأكثر فساداً! وحين نختار بين محطات التلفزة، نحتار بين السيئة وتلك الأكثر سوءاً!
ومع ذلك لنا الحرية المطلقة، على أن لا ننسى أن الله خلق الناس فوق بعضهم طبقات، حددها ويسهر على حسن توضعها قانون الطوارئ والأحكام العرفية والخوف المتلبس بنا والبازار وتهمة العمالة وقبض الأموال من الخارج و...
لنا الحرية المطلقة في أن نفكر بما نشاء. نحلم بما نشاء. ونقول بعض ما نشاء. ونفعل كل ما يشاؤون! لنا الحرية في أن نبقى مرضى أو ندفع تكاليف علاج باهظة. أو ننتظر في دور يشبه دور الطعام الخيري لجائعي الصومال! لنا الحرية في أن نسجل في كلية جامعية في السنة التي ننجح فيها، مهما كانت ظروفنا، أو نخسر الفرصة إلى الأبد. الأبد المعلق على ورقة يانصيب لا تربح!
لم يجبرني أحد على اختيار عمل يمتد لأربع عشرة ساعة يومياً! كان لدي خياران في الحقيقة: أن أجلس في البيت عاطلاً عن العمل، أو أن أعمل هذا العمل! وأنا الذي اخترت!
ولم يجبرني أحد على السكن في هذا البيت البارد والرطب. كان لدي فرصة أن أسكن في الشارع، أو أسكن في هذا البيت الذي تشبه أرضه المحفرة أرض الشارع! وأنا الذي اخترت!
وكم من الحريات المشابهة أيضاً؟!
كثيرة جداً تلك الحريات التي أتاحت لي أن أفعل شيئاً محدداً مرسوماً مسبقاً، أو.. لا شيء!
والآن.. ما رأيكِ، هل تغير شيء؟! لا!
لا بأس.. أعتقد أنني استعجلت قليلاً.. وما زال لدي بعض الوقت.. أليس كذلك؟!