شهاب آخر يعبر هذه السماء الصغيرة، نازفاً خيطاً من ضوءٍ في العيون الساهرة على حافة التعب.. مرهَقة الجسدِ والروح.. وتمد يديها في الخلاء المزدحم بأشياء لا تستطيع أن ترقى عن عناصرها الأولى.. لا ماء ولا تراب.. فقط تشكيلاتٌ من هيولى.. ولا تستطيع أن تشكل من الأطراف والجذع والرأس، ومحتوياتها، غير كتلة أخرى بلا ملامح!
ولمَ الملامح؟! الملامح تحدِّدُ وتعيّن. ترسم مكاناً وزمناً. وتنسج شبكة تحتاج أن نكون فيها لتكون.. ليكون لها معنى ووجود.. ونحتاج أن نغادرها لنتحرر.. ليكون لنا تفردنا ومعنانا. شبكة مليئة بأشكال مختلفة من الكائنات. بعضها يرى وبعضها يسمع وبعضها يتكلم. وبعضها لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم. بعضها ينام رامياً عينيه في الظلمة كمن لن يرى نوراً بعد. وبعضها ينام فاتحاً عينيه كمن لم يرَ نوراً بعد. وبعضها ينام وحيداً على سرير في زاوية.. وبين إقفال الجفن وانفتاحه يحاول أن يسمع نقرةً على الباب.. علّ يداَ ما قد تذكرت! ولا يسمع سوى دقات المطر تنقر دون أن تقصد! أو تقصدُ ولكنها أيضاً عابرةٌ كغريب!
شهاب سريع يعبر هذه السماء الصغيرة بحجم قلب تعلم أخيراً كيف يتسع ويتسع.. حتى يمتلئ بذاته.. ويفيض. يلقي نظرة سريعة، مثله، على الشبابيك التي ما تزال مفتوحة منذ مرّت عليها السنونو.. ويتساءل: ألم يمضِ وقت طويل منذ توقف الغناء خلف هذه الشبابيك؟ ألم يكن هناك، في زاوية ما، امرأة تخيط حديقة على شالٍ.. وأجنحة ما تلبث أن ترفرف؟!
ولكنه يعبر سريعاً ويهوي! في مكان ما يهوي! حيث قد لا تكون الورود متفتحة! حيث قد تكون الكلمات أشواكاً.. فما الفائدة؟! ولمَ جاء؟! أو مرَّ؟! أو عبرَ؟! لمَ أيقظ الشرايين التي كادت أن تجفّ؟! لم أعاد إلى رفوف الذاكرة ما كانت قد كنسته؟! ولمَ فتّح الجروح ورشّ الملحَ وكبسَ؟!
لم تكن تحتاجه تلك العيون الساهرة على حافة العمر.. تحاول أن تمسك روحها بيد من تعبٍ.. وتحلم: مازال في العمر متسعٌ!
والعمر لا يعرف الكلمات! صادف أن أحداً لم يخبره عن الكتّاب.. ولم يفكر أحد أن يخاطبه. كان يعرف وسائل لا تحصى ليكون: شفاهاً تتلاصق وأيدياً تربت وشَعراً يتطاير... كان يعرف كيف يكون، في الدموع المالحة ذاتها: مرة فرَحاً.. ومرةً حزناً! وفي الرعشة ذاتها: مرةً خوفاً.. ومرة نشوة! وفي التقلص العنيف ذاته: مرةً موتاً.. ومرةً ولادة! فلم يحتج هو، قبل الآن، أن يعبّر بالأصوات.. بالكلمات..
ولكنه الآن يحتاج أن يقولَ! يحتاج أن لا يكتفي بمسح رقيق على الجفون الساهرة آملة أنه مازال يحمل فيه متسعاً! يحتاج أن يهمس لها: هأنذا! مهدكِ.. وسلواكِ.. لم أرحل بعدُ! وما دمتِ هنا.. فعندي متسع ليديكِ إذا مددتهما! فمديهما! ليس لي أن أتوقف وإن رغبتُ.. ليس لي أن أترك خلفي شيئاً.. وإن رغبتِ! لي، فقط، أن أكون في يديكِ.. أو أن لا أكون! وهاتان هما يداك.. فيهما أطراف غيم وتويجاتٌ.. وأنتظرهما..
شهابٌ سريعٌ يعبر عمراً سريعاً.. أم لعله العكسُ؟! لا يهمّ. كلاهما لا يكونان إلا فيكِ! وكلاهما ينتظرانكِ.. ينتظران يديك.. فمديهما.