ولكنني عجزتُ أن أسميه إلا صباحُ الخيرِ! حتى والأرض مشققةً عطشاً تحت ماءٍ ينسفحُ دون أن يروي.. وبذورٌ ما إن تنتشُ حتى تهبَّ ريحُ الصقيعِ.. وعصافيرٌ بأجنحةٍ متكسرةٍ لم تعد تلجأ إلى عريشة الياسمين الذابلة..
صباحي الذي لم تتغير فيه المرآة الصغيرة الشاحبة والمتعضية في الجدار.. تلك التي لم تتعلم بعد أن تخفي تجاعيدَ لم تحفرها عجلاتُ القطارِ.. ولم تحزّها حبالُ المحاملِ.. ولكنها تغور عميقاً تحت الجلدِ النازفِ.. حيث يضجّ عالمٌ كانَ.. ويصمتُ هذا الصباحُ..
لماذا يصمتُ الآن.. وأحتاجه؟! أحتاجه حاجةَ البيت لشخصٍ يملأ الهواءَ الكثيفَ فيه.. وحاجةَ الحديقة لمتنزِهٍ ناعسِ الجفن وشاردٍ.. وحاجةَ السرير لدفءٍ لا يغادرُ دون وداعٍ! أحتاجه حاجةَ الكلمات للإنسان! لماذا يصمتُ الآن خلف نافذتي المفتوحةِ دون أن يعبرها محلقاً كحلمٍ.. أو ماشياً كأملٍ.. أو متسللاً كخيبة؟! ألم يأخذ مني ياقوتة عيني دون أن يغرسها.. ودون أن يعمّر فيها قوسَ قزحٍ؟! ألم يسرقْ أغنياتي دون أن يعلّمها لأطفالٍ في زقاقٍ.. ولا لصبايا على شرفةٍ؟! ألم تمنحه أجنحتي فضاءً آخر لم يكن له في الأيام الستة الأولى؟!
وها هو ذا اليوم يمرّ عابراً دون أن يلتفتَ... ها هو ذا يمرّ تحت جلدي.. يهفّ كشالٍ في ريح الربيعِ.. وينغلُ كقلَقٍ لا يركبُ الريحَ.. ويجنّ كتوقٍ لا يُلبى.. يشدّ روحي وتراً معلقاً في راحةٍ جافةٍ.. لا هي تعزفُ فأرقصَ.. ولا هي ترتخي فأفلتَ.. ولا هو ينقطعُ! ولكنه لا يلتفتُ!
ومَن يلتفتُ؟! مَن يلتفتُ الآنَ؟! قلْ لي! دقاتُ الساعةِ هي دقاتٌ.. أسنانٌ تتآكل في أسنانٍ.. قطعٌ أُجبرت أن تتشابكَ.. ولعبةٌ أعجبتها اللعبةُ فسيطرتْ! والمطرُ حزنٌ في جرنٍ فارغٍ.. لا حنطةَ ليقشرها.. ولا خصبَ يتمايل! مَن يلتفتُ والشارعُ المزدحمُ فارغٌ من الأصواتِ؟! ومقاعدُ الحديقةِ متلبسةٌ في خشبِ التابوتِ؟! والناموسُ أسطورةٌ قبل أن أصدقها فأهترئ؟! مَن يلتفتُ وأنا وحيدةً.. وحيدةً في مرآة متشظيةٍ رطبة؟!
لم يعد العالم هو العالم الذي فيه انبثقنا.. ورسمنا ساحاتٍ من أفقٍ جديدٍ.. وشمّرنا الأكمامَ.. وانطلقنا! لم تعد السفن التي هيكلناها من أضلاعنا، ورفعنا شغافنا أشرعةً لها، وأكفنا مجاديفَ، تجدُ البحرَ لتمخرَ! لم يعد هناك بحرٌ.. فقط أشلاءٌ مبعثرةٌ ومختلطةٌ.. بعضٌ من صحراءَ.. وبعضٌ من ماءٍ أجاجٍ.. وكثيرٌ من بقايا أناملَ مجعدةٌ كوجهي!
فمَن يلتفتُ؟! من ينتظرني إذاً؟! أية كلماتٍ تلك التي تستطيع أن تقولَ؟! وأي مطرٍ ذاك الذي لم يدقّ؟! وكيف لي، أنا المعلقةُ على شهابٍ يعبر هذه السماء الكبيرة، أن أمدّ يدي؟!
لتهوي الشهبُ، تلك التي خلقتُها ذات روحٍ، بعيداً عني.. بعيداً عن بابِ بيتي الذي علاه العنكبوتُ دون أن تحطّ عليه حمامتان! وعن بابِ قلبي الذي علته سنابكُ الخيل دون أن تفتحَ قرى ومدائنَ! لم أعد أريدها. لم تعد لي. لم تعد مني. كما هذا العالم كله الذي لم يعد مني. لم يعد لي. ولم أعد أريده!...