ويلتقيان.. مرتين، يلتقيان كل يومٍ. يتواشجان كعاشقين مراهقين في خلسة من الزمن، لم يفكرا في المسارب التي علت الأسوارُ جانبيها! ولا في الوجوه الكالحة حارسة الموت الذي يمشي! كطفلين أُغلق الباب خلفهما دون أن يحملا جعبتيهما، ولم يعرفا أن الباب يفصلُ! وأن الغابة ليست أشجاراً ودنانير ضوءٍ! كحبتي مطر صادف أنهما وقعتا في بقعة اليباس ذاتها، في البذرة النائمة ذاتها، ولم تترددا في أن تتلاشيا! لم تتساءلا! وكاحتمالين فاجأا نفسيهما على شفير الصمت ذاته. ولم يكسراه.. لم ينتهكاه.
ويلتقيان.. في الصباح الباكر.. حين تبدأ العتمة في انسحابها البطيء عن المسام، كاشفة الزوايا والنقاط والخطوط، وآخذة معها القصص التي رويت بلا شفاهٍ، والطمأنينة المشعة في طقطقات المدفأة، والصور المتلاشية الأطراف.. العتمةُ: صوتُ دقاتِ القلب، وانفتاحُ النبض على السرّ..
حين يبدأ الضوء في فرد شاله الزاهي، تاركاً خلفه تنهدات لم تجد من يسمعها.
يلتقيان.. في المساء الباكر.. حين يبدأ الضوء زحفه الرائق داخلاً في البرزخ، ساحباً أنامله الناعمة عن أطراف التويجات التي خرجت تواً من براعمها الصغيرة وهي تدندن: (وحدهن بيبقوا متل زهر البيلسان).
حين تبدأ العتمة تزيح الغبار المتراكم في نهارٍ صعبٍ، مارةً بيديها الحنونتين على الجفون..
يلتقيان مترعين بتوقٍ جارفٍ ليكونا هنا.. في هذه اللحظة.. بعيداً عن الذكريات المثقلة برائحة البرد والخيبة وطعم الوجع.. بعيداً عن الصور الباهتة المعلقة على جدار متقشر.. عن الرطوبة التي تخترق الكلمات.. وعن تلك (التكات) المحشرجة في عيون تنتظر.
ويهمسان: لعلها لم تكن في البدء، تلك الكلمة. لعل كلمات كثيرة سبقتها في التكون.. في تكوين العالم الذي لم يستطع أن يكون إلا خارجاً.. ولعلها لا تجد سريراً في زاوية لتغفو، ولا شمعة متمايلة لتهدأ.. لعل إبريق الشاي الأسود لم يعد يحكي.. لكنها، الآن، هي البدء. الكلمة التي عبرت جيوش الأيام التي لا تُعدّ، والكتب المدببة كمناخسَ، والقوانين المولودة ميتةً.. الكلمة التي لم تستطع قطفها السيوف المثلمة للرؤوس اليانعة، والسيوف البتارة للرؤوس اليانعة.. ها هي ذي تنبثق، كما ينبثق صباحٌ، وكما ينبثقُ مساءٌ، وتعيد تشكيل العالم في لوحة لا تجفّ..
اللوحةُ لا تجفُّ! فمَن يجففها! مَن يمرر ورق النشاف على خطوطها اللامتناهية! مَن يقرر أن يشويها! مَن يقطع حبل السرّة معها! لوحة العالم لا تجفّ ونحن فيها، ونحن هي. نحن مَن قد يجفّ. مَن قد ينسى يديه في قوالب الحديد حتى تصير باردة كالموت! مَن قد يحوّل رعشات الشغاف إلى شحوبٍ!
مساءٌ وصباحٌ ليسا حبراً على مفكرة معلّقةٍ. وليسا احتفالاً صادف أنه يقرّر موت سنةٍ! مساءٌ وصباحٌ يدوران كل يوم في دائرة الروح المسكونة بجسدٍ لا يريد أن ينحبس، ولا يعرف كيف يتحرر! يدوران في دائرة الروح التي فضاؤها الجسد! يجبلان، مرة أخرى، طين البدايات التي لم تنته بعد. ويخلقان، مرةً واحدةً، يوماً هو هُما.