كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان
جكر.. طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

ها قد أطلت الشمس كما في كل يوم على بيتي البارد، متأخرة عنه الزمن الذي يستغرقه استيقاظها الناعس.. وصعودها المتراخي من خلف قاسيون.. تاركة جفنيها الذهبيين ينفتحان على العالم المتصارع بعيداً عنها.. تاركة إيانا مزدحمين في ساعة كساعة الحشر.. وليس بساعة الحشر..
ما لنا؟!

ما الذي جرى لهذا العالم حتى فقد إحساسه بنفسه؟ بقيمته؟ باللحظات الحلوة التي تشكل روحه؟ بالكلمات الطيبة؟ باللمسات الدافئة؟ وبالنور؟!
وكيف صارت الدنيا هكذا: أنفاقاً متداخلة في ظلمات تؤدي إلى ظلمات؟! سكاكين تذبح وأخرى تُشحذُ؟! جلادين يتمزقون كضحايا؟ وضحايا يستبطنون جلادين؟!
ما الذي جرى لنا حتى تركنا ابتساماتنا تنزلق في أول حاوية قمامة؟ وتركنا أرواحنا تتلاشى دون أثر؟! وصرنا نحمل همّ اللحظة القادمة كمن يحمل جمل المحامل؟!
مضى عامٌ؟! ربما! أتى عامٌ جديدٌ؟! يبدو ذلك أكيداً. لكن لم يتغير شيء في الهواء الذي نتنفسه، سوى أنه ازداد تلوثاً! ولا في لون الجرائد التي نقرؤها، سوى أنه صار أكثر سماجة! ولا في الحرية التي لم نشمها، سوى أنها صارت أكثر دلالاً! وربما مازالت رائحة الفراش الذي يحضننا ذات الرائحة التي اعتدنا عليها حتى لم نعد نشمها!
فما الذي يعنيه إذاً أن يذهب عامٌ ويأتي آخر؟! أي فرق في هذه اللحظة- الكذبة التي اخترعناها نحن، وصدقناها؟!
وماذا في ذلك؟ ليست هي الكذبة الوحيدة التي اخترعناها! نخترع كل يوم كذبات أكثر مما في رؤوسنا من شعر، ونصدقها، ونعيش معها، ونصادقها! ثم تتغلغل فينا وتصير حقائق مختلفة: بعضها كحرباء، وبعضها كشعاع! فلماذا نتوقف دائماً عند هذه اللحظة بالذات لنتساءل؟!
ربما كانت كذبة رأس السنة هذه هي الأكثر خطورة من بين كذبنا اللانهائي منذ رفعنا عيوننا إلى السماء لنتساءل. فهي الكذبة التي وضعتنا مرة واحدة وإلى الأبد أمام حقيقة أننا عابرون.. أن (تكات) الساعة ليست مجرد ذبذبات هواء! بل هي دقات في صدورنا تمضي إلى غير رجعة! إنه لم يعد في إمكاننا مسح الكلمة التي قلناها. ولا إلغاء التصرف الذي قمنا به. ولا استعادة الشخص الذي فقدناه!
هي الكذبة التي تجعلنا نقف، قسراً، لنتساءل عمّا (أنجزناه) خلال الأيام الماضية! لنتذكر كل تفصيل مهما كان صغيراً! لنبكي ونضحك ونشكر ونشتم! ولنقول: مضى عام آخر من عمرنا!
ولماذا لا نقول: جاء عام إضافي في عمرنا؟! هذا مضحك فعلاً! فالعابر لا يُحسب بما يأتي. بل بما يمضي! لأن كل لحظة إضافية هي قيد المجهول! وما هو ثابت وأكيد هو ما مضى!
ولكنها الشمس تشرق من جديد! لم تستطع حقاً أن تدفئ بيتي الذي لا تطوله إلا أذيال الشمس! ولم تستطع أن تزيل الغمامة السوداء التي ما زالت ترتفع كل صباح فوق سماء دمشق! لكن بلبلاً أليفاً يتنزه كل صباح في حديقتي، ما زال يصر على الشدو قبيل شروقها!
من الواضح أنني مرتبك في هذه الزاوية. مرتبك جداً! لا تؤاخذوني. ها أنتم أولاء ترون. ليست بداية هذا العام بداية نموذجية.. لكن.. لا بأس.. أشعر أن هذا تحدّ جديد.. بابٌ جديدٌ أفتحه وأكتشف ما خلفه.. حياة جديدة، بحلوها ومرّها تدعوني لأعيشها.
 

بسام القاضي، جريدة النور، 24/3/2005)

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS