لا بأس، كان من المفترض أن أردّ بالشكر على رسالة تمدحني. خاصة أنني ما زلت أتمايل طرباً لأي مديح حتى المنافق منه! حالي في ذلك حال جميع الذي أُجبروا على التخلي عن أحلام كبيرة كانت تسري في دمائهم ذات يوم كانوا فيه شباباً! وأجبروا على الاكتفاء بصف الكلمات تعويضاً عن عجزهم عن تحريك حبة رمل.. حتى في قلوبهم!
لكنني لن أفعل ذلك مع رسالة جميلة أرسلها شاب طالبني بمزيد من الاهتمام بقضايا الشباب! لسبب بسيط هو أنني لم أستسغ أبداً أن يطلب شاب من كهل أن يهتم بقضايا الشباب! ولا أعرف أصلاً كيف يكون ذلك؟
لا يحتاج القول إن الشباب مرحلة خاصة من العمر إلى أي برهان. وكذلك القول إن أحداً لا يستطيع أن يطرح هموم الشباب وقضاياهم وأحلامهم غيرهم. ومن غادر سن الشباب، لا يستطيع إلا أن يستعيد تجربته الخاصة التي ولى زمنها ليخلص منها إلى استنتاجات ما أنزل الله بها من سلطان! لكنها لا تنتمي إلى الشباب إلا بقدر ما ينتمي الماضي إلى الحاضر!
ولذلك نرى الشيوخ العجائز الذين جفت دماء الشباب في عروقهم (وهي تجف حكماً مع الزمن، دون أي اعتبار للشخص المعني) لا يفعلون سوى أن يصيغوا الجمل الفارغة من أي معنى، والأحكام المضحكة عن الشباب، معتقدين أنهم اكتنهوا سر هذه المرحلة ووصلوا إلى جوهرها بما يؤهلهم للحكم والتخطيط! إلا أنهم يخفون ليل نهار حسدهم وغيرتهم من الشباب تحت ألف صفة وصفة يطلقونها عليهم: متحمسون، متهورون، ضائعون، مضللون..
ما لنا؟ المهم بالنسبة لي هو سؤال بسيط: لماذا لا يتوقف الشباب عن مطالبة الآخرين بالاهتمام بهم؟ أليس هذا سلوكاً طفولياً مثيراً للسخرية؟ ألم تقم ثورات العالم الحمراء منها والبيضاء، ومن جميع الألوان على أكتاف الشباب؟ أليسوا هم وقود المعارك جميعاً: معارك الاحتلال والتحرير والتطوير و..؟! أليسوا هم من يفتح الآفاق الجديدة على الصعد كافة في أي مجتمع؟ أليست ميزتهم الأولى والأهم أنهم قادرون على تجاوز المخاوف الوضيعة للإنسان (الناضج)؟ أليسوا هم المتحررين من المسؤوليات التافهة التي يمضي الكبار عمرهم وهم يؤكدون لأنفسهم أهميتها الفائقة فقط لكي يستمدوا منها بعض الأهمية التي فقدوها؟!
فلماذا تطالبوننا بالاهتمام بكم؟!
يا سادة يا كرام: نحن لن نهتم بكم إلا بالقدر المناسب لتكونوا تحت وصايتنا، دولاً كنا أم أحزاباً أم جمعيات أم أفراداً! آباء أم إخوة أم مديري مدارس أم مثقفين أم...! أنتم بالنسبة لنا جميعاً طاقة (لم تعِ ذاتها). ولذلك هي صالحة لنسيرها كيفما شاءت لنا خيبات شبابنا الضائع! ألم تلاحظوا أننا جميعاً نشيد بكم إذا كنتم مثلنا؟ ونهدر قيمتكم إذا خالفتمونا؟ أليست مشاكلكم هي من صنعنا نحن أولاً؟! أليس وجودنا في عالمكم هو مشكلتكم الأولى والأهم؟! ألم تنتبهوا إلى أن الصفة الأكثر شيوعاً التي نستخدمها حين التعبير عن إعجابنا بأحدكم هي: (خامة جيدة)؟! خامة ماذا؟! خامة جيدة لنسقط عليها تجاربنا الفاشلة! لنحاول بها إعادة سيرتنا التي لم ننجح بإدارتها!
رجاء إذاً كفُّوا عن مطالبتنا بما لا نستطيع فعله! كفُّوا عن مطالبتنا بأن نكون ضد مصلحتنا! أن نخرب هياكلنا الفارغة المعقدة التي بنيناها بشق الأنفس! كفُّوا عن أن تكونوا ملحقين بنا!
رجاء أيها الشباب! إما شمروا عن سواعدكم واحتلوا مكانكم المناسب! أو.. ريّحونا!
بسام القاضي، جريدة النور، نشرت في زاوية مواويل، العدد 234، 22/2/2006