وحيدَين نحن! (وربما وحيدون!) ولا ينفع أن الشارع مزدحم بالصبية والمسؤولين المتسولين! ولا أن البحر مزدحم بالدلافين والعوالق! ولا أن العالم متخم بالشعر والتفاهة! لا شيء يستطيع أن يخترق سور الوحدة العظيم حين رنات ناقوس بحجم السماء الصافية تتردد في جنبات الروح! ولا أعرف كيف أصفه: أهو ناقوس خطر كما يحلو للأدباء والسياسيين أن يقولوا؟ أم هو ناقوس الجنازات كما لم أسمعه يوماً؟ أم لعله مجرد ناقوس يدق في قرية على كتف الدنيا غافلة عن العالم؟! لكنه، في كل الأحوال، يحيط أذني وعيني دون أن أتمكن من إيقافه.. أو الإنصات إليه! (أيهما أضيق: العالم؟ أم رؤيتنا إياه؟!).
وكيف تنصتين له؟! هل يمكن الإنصات لناقوس؟! الناقوس لا يقول. البشر وحدهم هم الذين يقولون. ربما كانوا مرتاحين أكثر لو لم يتعلموا هذه (المهارة)! لكننا تعلمناها. ولعلها أفادتنا كثيراًً. بالتأكيد أفادتهم كثيراً. على الأقل لم يعودوا مضطرين إلى قرع الطبول كلما أرادوا التواصل! لكنهم ما زالوا يقرعونها، وباضطرارٍ! مرة للحرب. ومراتٍ.. للحرب أيضاً! كم أتقنَّا الحروب؟! لو أننا أتقنا أفعالاً أخرى إتقاننا للحروب! (الريح.. إنها تصفر. مع أننا نتخيلها تصفر فقط في الخريف والشتاء! لكنها تفعل ذلك في كل الفصول).
لو أننا أتقنا الحبّ! الإنصات! بل حتى الموت! كان يمكن لنا أن نفتح بوابات أخرى غير السبعة التي مرت بها عشتار في صعودها المتكرر! وربما، ربما فقط، كان يمكننا أن ننهي هذا التكرار الممل في صعودنا البطيء! (حتى تصعد يجب أن تعرف أن هناك ما هو أعلى مما أنت فيه!).
الناقوس لا يهدهد. بل فقط يهدّد! حتى نواقيس ثلج فيروز التي رسمت إيقاع طفولة مديدة، لم تعد تهدهد! ولسبب ما يبدو حزيناً دائماً! رغم أنه لا يقول! بل فقط يقرع شاداً كل مسام في جسدك كما لو أنه وترُ عودٍ! أو وترُ قوس الكسعي! دافعاً فضول الروح إلى حافة الانفجار! ومجبراً الكلمات على الخيانة! (كيف تكون الخيانة في موشورٍ سداسي الأبعاد؟!).
لكنها لا تخونني! الكلمات لا تخونني في هذه اللحظات الحادة! فلم يسبق لها أن فعلت ذلك. بل مازالت ملتزمة بعهد بيننا قديم أن أمنحها روحي لتحيا، فلا تخونني! ولم يُنقض العهد بعد. ولكنني، لسبب ما، أغلق شفتي في اللحظة الأخيرة التي توشك فيها أن تتحرر منها! (الحرية اكتشاف إنساني نسيناه منذ وعيناه!).
هذا مؤلم! أن تكون مضطراً لاستعادة الأحرف التي كادت أن تنطلق حاملة معها حيوات جديدة لم تتكون في الرحم. الأحرف التي فاضت من مكان هو كالكون: فسيح ومحدود! ضاجٌ ومظلم! موجودٌ ومبهم! لكنها تمتلك كل ما يجعلها قابلة للتكون والتكاثر! بل والتدمير أيضاً! (أية كلمة دفعت دماء التيه إلى الرأس كهذه الكلمة؟!).
التدمير! يالهول قدرة الكلمات على التدمير! لا تحتاج إلى حديد ونحاس لتسكبها سيوفاً وخناجر. أو رجال أشداء ليحملوها! ولا تحتاج إلى حجر قديم نصيّره باروداً يتفجر. أو أدوات تساعده على إلغاء المسافات! لا تحتاج سوى حجر يشبه القلب. ومهاوٍ تشبه العيون! (هل هناك من قال إن العيون مرآة الروح؟!).
مع ذلك، مازالت الكلمات الحلوة تزيد من بريق عينيك! للكلمات أيضاً قدرة إلهية على أن تولّد الفرح. ولم لا؟ هل الكلمات غير.. أقصد هل الفرح سوى كلمات حلوة يقولها من نهتم لأمره؟!