كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
جلاء طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

مضى وقت طويل على ذلك اليوم الذي حكت لي جدتي عنه، جدتي التي مضت، أيضاً، منذ وقت طويل! ومنذ ذلك اليوم بدأت معرفتي به تتراجع شيئاً فشيئاً. حتى أكاد الآن لا أميز ما الذي بقي منه في مخيلتي المزدحمة!

الجلاء! نعم. هذا سهل: كان هناك احتلال اسمه الاحتلال الفرنسي! ثم خرج له نساء ورجال من وطني فقاوموه. وصادف أن المتغيرات الدولية لم تعد ملائمة لبقائه! وصار أن مردود بقائه صار أقل من تكلفة استمراره! فرحل..
الحكاية سهلة، أليس كذلك؟ نعم. لكن أحداً لا يقولها لنا هكذا! الجميع يصر على جعلها ملحمة دم وموت! الجميع يصر على تضمينها قدراً أكبر وأكبر من العنف والعنف المضاد! رغم أن الأرقام التي قرأتها والمتعلقة بعدد الشهداء وعدد المعارك ونوعية الأسلحة والغنائم و.. و.. جميعها لا تشير، باستثناءات قليلة جداً كيوم ميسلون ومعركة المزرعة ويوم 29 أيار، إلى ما نريد الآن أن نسبغه عليها! فلماذا نفعل ذلك؟!
بالأصح: لماذا لا نقول الأشياء ببساطة؟ لماذا لا نقول إن رفض الناس العاديين لبقاء الاحتلال عبر حكاياتهم المسائية وتساليهم النهارية لم يكن يقل أهمية عن الطلقات؟! وأن الكلمات والبيانات التي أصدرتها الأحزاب هي كذلك؟ وكذلك هي مواقف البرلمان؟ وأن المتغيرات الدولية أيضاً لم تكن تقل أهمية عن كل ذلك؟
لماذا لا نقول ذلك؟! هل نخشى أن ينتقص أحد من (وطنيتنا) إذا كنا قد قاومنا بغير الدم والنار؟! هل نخاف أن يتهمنا أحد بالعمالة وخيانة التاريخ؟! هل لا نكون (شهداء) كفاية إذا قلنا ذلك؟!
شهداء؟! في هذا العيد غابت اللافتات القماشية والإعلانات التي كانت تغطي شوارعنا في كل (جلاء)! على غير العادة! وفي دمشق مثلاً لم تكن هنا سوى بضع لافتات قليلة مبعثرة، وبضع صور للجولان.. وتأكيد عبارة (الأرض مقابل السلام)!
لا أعرف إن كان هذا جزءاً من (ضغط النفقات) في الحكومة! ولعله مجرد سهو في توقيت حجز وسائل الإعلان الطرقي فلم يجد المعنيون مكاناً شاغراً! وقد، قد.. لا. لن أذهب بظنوني إلى أن الأمر يتعدى المصادفة!
لكن، في إحدى هذه اللوحات قرأت عبارة سبق أن حفرت في ذاكرتي لكثرة ما قرأتها في كتبي وعلى جدران مدرستي: الشهادة أو النصر؟!
سأجرؤ على القول، مضحياً بكل شيء، إن وقع هذه العبارة علي لم يكن كما اعتدته دائماً! لم يقشعر بدني وتتوتر عضلاتي! لم أشعر بالنار تغلي في عروقي، ووجهي يكاد ينز دماً! بل شعرت أن هناك خطأً ما!
صحيح أنني لم أستشهد بعد! ولا أعرف كيف يكون المرء بعد أن (يستشهد). ولكنني أعرف جيداً أن الشهادة هي أيضاً، موت! هي بذل حياة في سبيل قضية يعتقد صاحبها أنها سامية وتستحق بذل الحياة.
وأفكر: هل حقاً إن بذل الحياة في سبيل قضية هو أغلى ما يمكن للمرء أن يقدمه لها؟ هل صحيح أنها الهبة الأقصى؟ أفكر: يحتاج الموت، بكل أشكاله، إلى قرار للحظة واحدة فقط! إنه ليس أي قرار بالتأكيد؟ ويحتاج إلى قدر كبير من الجرأة والشجاعة والتضحية. لكنه ما زال قراراً لمرة واحدة! للحظة واحدة! وأفكر: فماذا عن حياة مديدة تبذل من أجل القضية ذاتها؟ وماذا عن سلسلة لا تنقطع من التضحيات المتواصلة و(الشهادات) التي لا تنتهي؟ وماذا عن كفاح ونضال ومقاومة (حية) لأناس (أحياء)؟!
اعذروني يا جماعة! أعرف أنني أقترب كثيراً من فوهة البركان! فهذه واحدة من محظوراتنا التي لا يجوز لأحد أن يفكر فيها أو يناقشها! إنها واحدة من المسلمات التي كثرت في حياتنا!
لكن، للأسف، تعرفون أن التفكير حينما يبدأ، من الصعب أن يتوقف.. فهل تعذروني؟!


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 242، 19/4/2006


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS