فجأة، تصدرت واجهة المركز الثقافي باللاذقية لافتة تدعو إلى نشاط ثقافي حول (العهد العثماني) في بلاد الشام! ما المشكلة؟ لا شيء! ما دامت أصوات كثيرة عادت للارتفاع مشيدة بمناقب (العهد) المذكور الذي لن أتردد لحظة واحدة في وصفه على حقيقته بالعهد البائد، بل (الاحتلال البائد)! وهي الصفة الدقيقة لأربعة قرون من الظلام أناخت فيها الأتوقراطية العثمانية على شعوبنا سالبة من أوطاننا كل خير! وحين غادرت قسراً، لم تترك وراءها سوى الدمار والخراب!
نعم، الخراب والدمار الذي لم يبدأ مع الاحتلال العثماني، لكنه استكمل خلاله استنزاف مجتمعاتنا لصالح الباب العالي أولاً، ولصالح ثلة من زبانيته الذين كانوا ملوكاً وسلاطين أقاموا قصورهم وحياتهم الباذخة على سواد من الجوع والمرض والفقر والتخلف!
وطوال القرون الأربعة تلك، لم يفعل هذا الاحتلال شيئا لهذه المجتمعات سوى أن ينهب المدن والقرى، ويسلب كل موهبة أو إبداع صادف أن استطاع الخروج من هذا الموت المستمر! ولذلك لا يجد المدافعون الأشاوس عن ذاك (العهد) دليلاً واحداً على خير قدمته تلك الدولة - الاحتلال سوى الأسطوانة المشروخة عن (وحدة الدولة الإسلامية)! التي تذكّر بدورها بوحدات أخرى وديكتاتوريات أخرى..
والواقع أن الاحتلال لم يكن يوماً سوى احتلال مهما قدم لهذا البلد أو ذاك. وهو بالضبط أن تسيطر دولة وشعب على دولة وشعب آخرين. وهو بالضبط ما فعلته الدولة الإسلامية في فارس وأصفهان والأندلس وغيرها.. وما فعلته الدولة العثمانية بالمجتمعات العربية ونصف أوربا.. وأيضاً ما فعلته بريطانيا وفرنسا وهولندا وغيرها بأغلب بلدان العالم..
لا يحق لنا إذاً، بناء على اتفاقيات لهذا السبب أو ذاك، أن نغير من حقيقة تاريخ! فكيف إذا كان تاريخاً أكثر سواداً بكثير مما سجلته كتب التاريخ؟! سواد كان هناك حتى وقت قريب أناس عاشوه وعايشوه ويحملون آثاره؟! أناس خضعوا له وأكل من لحمهم وروحهم كما أكل أرضهم وماشيتهم وأقاربهم؟!
لعل أحداً سيسأل: وهل كان على السفارة التركية أو الجهة المنظمة لهذا النشاط أن تكتب (الاحتلال العثماني)؟! طبعاً لا. لكن أن تتمكن من كتابة (العهد العثماني) هو سؤال بحد ذاته! والأهم: لتكتب ما تشاء. لكن حين تظهر مثل هذه العبارات علينا أن لا ننسى أنها تكرس مفاهيم (جديدة) على ثقافتنا! وربما تجدر الإشارة هنا إلى أن من يرفع صوته مشيداً بتلك العصور المظلمة، تحت صفات ومسميات شتى، يعرف جيداً ما يدعو إليه! وما يدعو إليه ليس سوى خلافة جديدة تحكم بقبضة من حديد ليس على الدولة والسياسة وحسب، بل أيضاً على المجتمع و الأفراد، على الجسد والروح والضمير.. أي على كل شيء!