كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
أميمة طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

  

 ماتت أمي منذ وقت طويل, وأنال صغيرة, حتى إنني لا أذكرها, وكان أبي قاسياً جداً علينا في كل شيء, لم يكن أحد يستطيع التنفس بحضوره أو غيابه. لدي خمسة إخوة لم يرحم أحداً منهم. إذ لم يكن أحد منهم يفعل شيئاً من دون موافقته.

 كان يعتقد أنه هكذا يجعلهم (زلماً), ولم يملَّ من تكرار المثل المعروف عن حزمة العصي القوية. كنا كلنا نخافه, ونرتعد لنظرة من عينيه, ونظن أنه يستطيع قراءة أفكارنا. ولأنني البنت الوحيدة بينهم كان نصيبي أكبر من غيري, فالعرض وكلام الناس أهم من أي شيء في العالم. حتى صرت أخجل من نفسي, ووالله بقيت فترة طويلة لا أنظر فيها إلى المرآة خوفاً من أن أرى عورة في ثياب امرأة.
  طبعاً لم يتقدم أحد لخطبتي, فلا أحد رآني سوى بعض أقاربنا, وهؤلاء يعرفون أن مصاهرتهم لأبي لا تحتمل. هكذا عنست وأنا أخدم في البيت.
  لكن الموت حق, وأبي مات رحمه الله. بكيت عليه بحرقة لم أتوقعها, وافتقدته كثيراً, كلنا في البيت شعرنا للمرة الأولى أننا أمام مسؤولية لم نعتدها, وأحسسنا أن علينا أن نبدأ بتعلم كل شيء من جديد.
  بعد أن توفي أبي جاء نصيبي, ابن عمي, كان يتردد علينا كثيراً في السنين الأخيرة. لم يكن يهم أن أحبه أو لا, فهو ابن عمي والوحيد الذي تقدم ليطلبني. لكن كثرة تلهفه, ووعوده لي بحياة جميلة ومريحة وبلا أوامر جعلتني أحبه فعلاً. وبسرعة, بدون خطبة ولا حفل زفاف, تزوجني.
  لم أصدق نفسي في البداية, وجدت عالماً جديداً رائعاً أجمل من كل ما حلمت به, وهو لم يكف لحظة عن وعوده بما سيحققه من أجلي, سمح لي بالخروج وحدي, وأن ألبس ما أريد, وأزور معه أصدقاءه, وكان هو يطلب أن أجالس زواره في بيتنا وأشاركهم الحديث.
  وفي يوم من الأيام عاد في فترة الظهر, على غير عادته, ومعه نجار. لم يقل شيئاً لكنه غير قفل الباب بواحد جديد, وأضاف واحداً ثانياً, ثم أغلق الباب بالمفتاح وذهب. بقيت مصعوقة حتى المساء. حاولت أن أفهم منه ما جرى, لكنه لم يقل شيئاً سوى أن هذا هو النظام الجديد, الباب مقفول مادام هو خارج البيت, ممنوع عليَّ مرافقته إلى أي مكان, ممنوع عليَّ الظهور أمام زواره حتى لو كانت زيارة عائلية. لم تنفع جهودي في فهم سبب ذلك, فقط كان يردد أن (كل النساء خائنات) و(أنني تجاوزت حدودي). صحيح أنني تعودت ذلك من أبي, لكنني لم أستطع التعود عليه من زوجي, خاصة بعد أن منحني, هو, الفرصة لأتنفس, وكنت ملتزمة, ولم أخيب ظنه أبداً. لا أعرف ماذا سأفعل الآن لكنني لا أشعر تجاهه بالخوف الذي كنت أشعره تجاه أبي. وأفكر أنه إذا طال الأمر, فقد ألجأ إلى الطلاق.

جريدة النور- العدد (19) -2001

*- نشرت هذه المادة على حدة، وليس ضمن "زاوية منفرجة"..

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS