يبدو أن رعباً جديداً تغلغل في عقول عدد من الناس. رعب مثير للسخرية والضحك أكثر مما هو قابل للتفكير والمناقشة! رعب يعكس واقع حالنا الذي لم يعد عاقل يستطيع أن يحسدنا عليه في منتصف السنة السادسة للألفية الثالثة! فقد صار متاحاً للجمهور أن يروا الطبق اللاقط المنصوب على سطح البيت عبر صور الأقمار الصناعية المتاحة مجاناً عبر الإنترنت! وبات يمكن لأي كان أن يرى البث التلفزيوني في الولايات المتحدة الأمريكية أو اليابان! وأصبح يمكن لشخص في أقصى المعمورة أن يبدي رأيه بأي شيء في أقصاها الآخر!
رعبنا (الجديد) هو صفة (المدني)! فخلال الشهر الجاري اضطررت لخوض بضعة نقاشات تتعلق بالجمعيات والمنظمات غير الحكومية العاملة في قضايا الأسرة والمرأة والطفولة والإعاقة والبيئة وغيرها... وفي كل مرة كان هناك اختلاف واضح في المصطلح. إذ بينما أُصرُّ على قول (المجتمع المدني) أصرّ أغلب الآخرين على قول (المجتمع الأهلي)! وفي مرحلة من النقاش، يبتسم شخص ما ليقول: بالطبع نحن متفقون. لكن كما تعرف، لا نريد الاصطدام مع أحد!
من الغريب أولاً أننا نريد أن نعمل ولا نريد الاصطدام مع أحد! هذه لعمري معادلة غير قابلة للحل! فأن تعمل في قضية عامة يعني أن هناك مشكلة ما تحتاج إلى عمل! وأن تكون هناك مشكلة ما، في القضايا العامة، يعني أن هناك مجموعة من الناس منظمين أو غير منظمين يحمون ويدافعون عن بقاء واستمرار ما سميناه (مشكلة)! ويعني بالتالي أن هناك صداماً من نوع ودرجة ما مع الذين يدافعون ويؤيدون استمرار هذه المشكلة! يعني ببساطة: لا يمكن أن يكون هناك عمل مجتمعي دون صدامات! أما ما هي هذه الصدامات وما هو نوعها ومستوى الحدة فيها، فهذا طبعاً خاضع لجملة من العوامل لا يمكن التعميم فيها، ربما باستثناء أن على الجميع الاعتراف بأن العنف والإقصاء هما حدان ممنوعان من الصرف! وكل ما عداهما هو مشروع وطبيعي.
وبغض النظر عن كل ما قيل حول (المجتمع المدني)، وكل المحاولات لتفريغ هذا المصطلح من معناه، أو لتضييقه إلى مستوى معين من العمل، فإنه لا يعني سوى أمر واحد من حيث الجوهر: المجتمع المدني هو كل الجهات والمنظمات بأشكالها المختلفة التي ليست جزءاً من الحكومة، أي من الدولة. كل الأشكال التنظيمية خارج الدولة هي مجتمع مدني. خارج الدولة، وليس بالضرورة معادٍ للدولة. ودون أن نتفذلك كثيراً، الطبيعي أن المجتمع المدني صار موجوداً بعد أن صارت هناك دولة. ويعرف الجميع أن الدولة لم تكن موجودة قبل أن توجد المدينة. هذه هي الحكاية ببساطة. أو هكذا أراها على الأقل.
أما الأهلي، فليس سوى نمط تجمع وتنظيم سابق للمدنية. يعتمد أساساً على الدوائر المختلفة لمفهوم (الأهل). وهي دوائر تبدأ من الأسرة الصغيرة، وتتحرك باتجاه العائلة والعشيرة والقبيلة والطائفة والدين و.. ومهما كبرت تبقى متضمنة لكل ما هو أضيق منها. ولذلك يكون من السهل جداً في المجتمع الأهلي أن يتحول المتنور فجأة إلى ظلامي يُحرّم ويُحلّل على هواه! ويتحول النصّاب والحرامي إلى زعيم عشيرة!
الأهلي سابق للمدني من حيث التاريخ والمضمون. ومتخلف عنه. وفي أغلب الأحيان معاد له. لأن الأهلي يعتمد أولاً صلة الدم أو صلات عنصرية شبيهة. بينما المدني يعتمد، في أغلب الأحيان أيضاً، صلة المواطنة معياراً أساسياً.
فإذاً: هل هذه المنظمات والجمعيات هي مجتمع أهلي أم مدني؟ من الواضح أن بعضها أهلي. فتلك التي تقوم على أساس ديني أو طائفي أو عقائدي هي تنظمات تعتمد بذرة عنصرية تقبل (نوعاً) محدداً وترفض آخر ليس بناء على مواطنته، بل بناء على معطيات ليس له يد فيها. فالمرء لا يقرر أن يولد في هذه العشيرة أو تلك! كما أنه نادراً ما يتاح له أن يقرر انتماءه الديني والعقائدي!
وبعضها الآخر مدني لاعتماده معيار المواطنة أعلاه معياراً أساسياً. وما دمنا نتحدث عن منظمات وجهات تعمل في قضايا تخص المجتمع بغض النظر عن أصول أفراده من حيث الدم والدين وغيرها.. فنحن نتحدث بالضرورة عن مجتمع مدني.
ولا يغير في الأمر شيئاً أن هناك (أذرعاً سوداء) استطاعت دائماً أن تمد مخالبها لتخيف الناس من هذه الكلمة، في محاولة لإبعادهم عن تطوير قاعدة العقد الاجتماعي من قاعدة الدم والدين إلى قاعدة المواطنة. فهي تخشى أكثر ما تخشى أن يتحقق ذلك. ببساطة أيضاً لأن المجتمع المدني يعني سيادة القانون والديمقراطية والعلانية.. وهذه جميعاً ليست سوى مسامير قوية في نعش (الظلام)..