كنتَ محظوظاً أنك متّ باكراً! قبل أن تتعرف على بريجيت باردو! لعلها كانت أضافتك إلى قائمتها الطويلة من الحيوانات التي يمارس عليها الإنسان وحشيته السادية! تلك التي ليس لي اسم فيها! ليس لأنني لا أنتمي إلى الجنس ذاته. أغلب الظن أن قواسمي معها اليوم أكثر من اختلافاتي! سوى أنها تتمتع عموماً بمن يطعمها ويغسلها ويرفه عنها ويحميها.. وأتمتع بمن يأكل من كتفي ويغتسل بعرقي ويترفه من دمي ويحمي نفسه بجسدي..! ثم يدعي أنه إنما يكد ويسهر لمصلحتي!
وبريجيت باردو (لعل الأخبار وصلتك!) لم تلدها أمها محبة للحيوانات! في الأصل كانت محبة بعض البشر! أولئك الذين استطاعت أن (تصل معهم) إلى أن يُنحت وجهها رمزاً لبلد نسي أنه رفع ذات يوم شعارات جميلة عن الإنسان! كما نسيته البلدان الأخرى جميعاً!
أم لعلها قصدت أن تنسى؟! معك حق. الفرد ينسى. لكن كيف للسلطات أن تنسى (السلطات من سلطة الحكم، وليس من سلطة الخضار!)؟!
إذاً، حين ترهل جسدها الممشوق وشاعت التجاعيد في وجهها الجميل منفرة منها العدسات، عرفت كيف تعيدها صاغرة إلى (أحضانها)! لا بأس. صحيح أن الغاية لا تبرر الوسيلة وفق أخلاق المريخيين. لكننا ما زلنا ندب خطواتنا الأولى باتجاه الوصول إلى المريخ! لكن اطمئن! سنصل سريعاً. نحن نحتاج إلى الوصول بسرعة. فهؤلاء البشر الممجوجون على الكرة الأرضية لم يعد لديهم ما يشوّق! يا رجل! حتى صراخهم في الأقبية لم يعد يحمل أية متعة! جميعهم (يجعرون) بالطريقة ذاتها! أفّ!
حقاَ كان حظك وافراً أنك متّ في اللحظة التي بدأ فيها (التاريخ) يصير ماضياً! تلك اللحظة التي لم تسجل على مفكرات الجيوب! بل على تلافيف الدماغ الذاهب إلى القتل والدمار! مرة باسم الله! وأخرى باسم الحرية الإنسانية! وثالثة باسم التقدم! وغداً دونما سبب. غداً لن نكون بحاجة إلى سبب للقتل والدمار! أقصد لن يكونوا بحاجة إلى سبب! إذ لن يبقى من يحتاجون لتقديم السبب إليه! ولم التبرير أصلاً؟ هذه رفاهية السخفاء ذوي الشعر المشعث والنظارات السميكة الذين يعتقدون أن الله خلق لهم عقولاً ليتفكروا! الأغبياء! لا يعرفون أن العقل هو فقط، وفقط، كي يمشوا (الحيط الحيط ويا ربي السترة)!
كنت محظوظاً! حملت ما تبقى من أمتعتك القليلة التي استهلكتها جيداً على مدى حياتك الطويلة، والكثير الكثير من الذكريات الجميلة (أليست جميع الذكريات جميلة؟!)، ومضيت! لعلك لم تلقِ نظرة، حتى خاطفة، وراءك! فما هم (وراءك) مادمت ماضياً؟! لعلك لم تتساءل: من بقي من رفاق عمر استحق اسمه؟! اسمهم: رفاق. يعني أصلاً هم مؤقتون! ولعلك لم تتساءل إلى أين أنت ذاهب! ياااه.. لم يعد هذا ممكناً! عليك اليوم أن تحصي كل تفصيل في حياتك! لا لشيء سوى أن تكون جاهزاً حين (يداهمك) من لا عمل لهم إلا (الإحصاء)! (الغلطة بكفرة)! ولو أنك حي لما نصحتك بها أبداً!
لكن، لحسن حظك، غادرتنا منذ وقت طويل! هذا أمر جيد. ألا يقال إن بعض الموت رحمة؟! هه! أرجوك، لا تشنهق في وجهي! لدي ما يكفيني! ثم، كما ترى، هأنذا قد اخترتك أنت لأناجيك. وطبعاً لست تتوقع أن يكون اختياري (لسواد عينيك)! بل بالضبط لأنك لا تستطيع أن ترد عليّ: لا حديثاً ولا شنهقة! يحتاج المرء لأن يقول كلمات ليست للنقاش! يحتاج أن يقول دون أن يرد عليه أحدٌ! أن يقول ليقول فقط! لا.. ليس الأمر بوحاً. فأنا لا أقول لك أشياء حميمية (قرأت هذه الكلمة في كتاب يدعى القاموس المحيط!). أنا أقول لك أشياء تافهة وأعرف أنها تافهة! ماذا أفعل؟ لم تعد حياتنا تحتوي على أشياء غير تافهة! اللهم باستثناء انتظار ممض لصباح لن يأتي!
أم لعله سيأتي؟ حقاً لا أعرف. ولم أعد مشغولاً بأن أعرف! ما أنا مشغول به اليوم هو رغيف لآكل! وسقف لآوي! وباب ثقيل لا يسهل خلعه على (الضيوف الثقلاء)! ولست أعتب عليك. أعرف أنك لا تستطيع أن تساعدني! أعرف أنك مضيت كي لا تساعدني! أقصد كي لا تصير مثلي!
بالمناسبة، قبل أن ألقي عليك وداعي الأخير، أسمح لي أن أطمئنك على شيء آخر: أرجوك، لا تقلق علينا أبداً مما كنت مرتاعاً منه: أن يغيرنا الزمن! كن واثقاً ومطمئناً حيث صارت عظامك مكاحل: نحن كما نحن.. باقون على العهد!