ربما لا يحق لي أن أتحدث عنكَ! فأنا لا أعرفك! ولا أعرف عنك إلا تلك الشذرات التي سمحتَ لها أن تتسرب في حديثك السريع. مع ذلك سأقول. بعض اللحظات قد لا (تعني) شيئاً في تاريخ الناس! بعضها قد لا (تعني) شيئاً حتى للأشخاص المعنيين! وبعضها الآخر، بطريقة أو أخرى، تجد مكاناً لها في زاوية ما، وتعشش. ثم تتفكك وتتراكب على هواها. حتى تصير عالماً آخر مختلفاً تماماً عما كانت في الأصل. لكنها ما كانت لتكون لولا ذلك الأصل. أليس كذلك؟
كان وقتاً قصيراً. بدا واضحاً أن لبياض شعرك إيحاءه. وأيضاً لتجاعيد لطيفة على وجهك. طبعاً لست تنتظر مني أن أصفك كشاب؟ ألم تقل أن شعورك بوطأة الزمن لعب دوراً في لقائنا؟
وفنجان القهوة (بالمناسبة، قهوتك لذيذة). وذلك الوقت القليل الذي جلسناه معاً في غرفة كما حلمتُ دوماً: غرفة مناسبة للنوم والعمل والأكل والضيوف و.. كلها معاً (وهو حلم سآخذه معي إلى الجيل التالي، إذا صحت أقوال الذين يؤمنون بحياة ثانية لبعض البشر، وشاء قدري أن أكون إنساناً، وتحسن حظي إلى درجة أن لا أولد في بلد لا شيء يتطور فيه سوى أدوات القهر والانكسار. لاتؤاخذني على تواضع أحلامي! أنت تعرف: الأحلام تنبع من الحاجات!).
لكن، هل المعرفة بين البشر مرتبطة دائماً بالزمن الطويل؟!
لا أظن. على الأقل لأن (المعرفة) بين الناس ليس لها كيان محدد ولا ثابت. تخيل: البارحة، ونحن في غمار عشقٍ، كان المعشوق إلهاً مجسداً ولد لنا، وحدنا! اليوم، وقد زال ما زال، صار المحبوب ظلاً ثقيلاً لا نعرف كيف نزحزحه! البارحة، كان الصديق هو بئر أسرارنا ومنبع طمأنينتنا ومصدر إحساسنا بشخصيتنا! واليوم، بعد أن دارت العجلة اللعينة، صار الخيبة التي لم نحسب لها حساباً!
هذا مضحك! يذكرني بحكي العجائز! ليس أولئك العجائز الذين يجلسون على مصطبة أمام البيت، ويحولون الحياة إلى إشراقة حلوة! بل أولئك الذين يعتقدون أنهم (حلبوا) خلاصة العالم وباتت (الحقيقة) هي كلماتهم! أنت تعرفهم لا شك! لماذا أظن أنك تعرفهم جيداً؟! لماذا أظن أنك عانيت كثيراً منهم؟
نعم. نسيت، نحن ما زلنا مريدي (الحكمة) الأكثر إخلاصاً في العالم! وما زلنا الأكثر قدرة على تسمية كل شيء، وأي شيء بالحكمة!
وما همّ؟ أظنه بدا واضحاً على وجهي أنني لم أقتنع تماماً بمبرر لقاءنا! شعرت حقاً أن ذلك لم يكن سوى حجة بطريقة أو أخرى! لمَ؟ لا أعرف! هل من الضروري أن أعرف؟ أو أن تعرف؟ لا أظن!
لكن، دعني أسألك سؤالاً وقحاً، وأعرف أنك لن تجيبني: ألم تجد طريقة، على مدى السنين الطويلة التي عشتها، لتكسر هذه الوحدة التي ملأت فضاء الغرفة كسحابة شتوية؟! أم أنها انبثقت في لحظة غادرة؟!
لا. أبداً لا يهمني أن أحرجك بالسؤال. ورغم فضولي القاتل، لا أجد ضرورة أن أسمع الجواب! الحقيقة أنني قلق لسبب آخر. قلق على (مستقبلي)! شعرت، بقوة ذلك الشعور الذي يأتينا في اللحظات الأكثر مواجهة وصعوبة، أن تلك السحابة تنطلق من روحي، وتغلفها! أن تلك السحابة كانت سحابتي أنا! أن الزنزانة التي مازلت أفعل المستحيل لأفر من قضبانها النورانية لا تفعل سوى أن تتيح لي بضع سنتيمترات إضافية يهيأ لي أنها (المشاركة)!
لعلي أملت دائماً أن يوماً ما سيأتي، بعد أن يمضي من العمر ما يمضي، أرمي فيه كل شيء خلف ظهري، ولا أترك سوى جذع شجرة نصف يابس، واسترخاء غروبي، وشعور الامتلاء بالعالم الذي مضى! واليوم، كانت السحابة تلك تمد لي لسانها البارد الطويل وهي تقول: احلم!
كانت ابتسامتك جميلة حقاً. لكن السحابة كانت كثيفة للغاية! وأنا خفت. لذلك، قل لي، أرجوك: هل أحلم حقاً؟!