كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

الصمت شيطان طليق
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow دِين.. أم إدانة؟!
دِين.. أم إدانة؟! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

ليس غريباً أن الدين، تلك العلاقة الخاصة بين الخالق والمخلوق، بين الفرد وربه، قد تحولت إلى سلطة دنيوية غالباً ما وسمتها صفة القمع والتخلف! فذلك ما تفعله السلطة، أية سلطة في أي زمن، بكل الأفكار والمشاعر والعقائد التي تجد فيها ما يمكّنها أكثر من إحكام قبضتها على رقاب الناس! وذلك ما لاءم، منذ سومر وأكاد، رجال الدين الذين لم يفارقهم يوماً طموح السلطة الدنيوية! طموح (العرش) السلطوي! ولأنهم نادراً ما تمكنوا من ذلك، وجدوا دائماً سبيلاً آخر يناسب طموحاتهم: عبر علاقة قوية دائمة مع من يحكم، وعبر كهنوت واسع ممتد يتحكم بحياة الناس!

والكهنوت هذا موجود دائماً في كل الأديان. فهو يصير ضرورة منذ اللحظة التي تبدأ فيها تلك العلاقة الشفافة الفردية بالتحول إلى سلطة! ولهذا، ومهما اختلفت الأسماء، لكل دين وجِد بين البشر كهنوته الخاص! بدءاً من الأديان الأرضية القديمة، عبر اليهودية والمسيحية والإسلام، وحتى في العقائد التي لم تكن معنية بالعلاقة بين الفرد وما يعبد، والتي تحولت إلى شكل من أشكال الدين، كالشيوعية كما عرفناها في القرن الماضي!
للكهنوت دور واحد عبر التاريخ، إضافة إلى دوره في ممارسة الطقوس، هو إغلاق الدين كجوهر بوجه العامة، وإلزامهم بما يفهمه الكهنوت من الدين، والحكم بالإدانة المطلقة على كل من يخالفهم بذريعة أنه يخالف (الدين)!
الغريب أن قوة الكهنوت تتفوق دائماً على قوة الدين ذاته! فحتى الأديان التي لم تعترف بالكهنوت، بل كانت مواجهة الكهنوت جزءاً أساسياً من وجودها، تمكن الكهنوت من السيطرة عليها، بل وتحويلها إلى ما يناسبه!
هذا ما حدث في الإسلام مثلاً، مع بعض (رجاله) الذين يعتقدون أن الله قد اختارهم ليكونوا الناطقين باسمه! ولا أقصد هنا أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي ومن لف لفهم. فهؤلاء أوغلوا في كهنوتهم حتى لم يعد هناك إلا عالمين: الطاهر وهو من يتبعهم! والشيطان وهو كل من تبقى! بل أقصد آخرين ممن يمارسون درجات مختلفة من (الكهنوتية) دون أن يصلوا إلى ذلك الحدّ! وإن كان البعض يتخوف، محقاً، من أن هذا الإبحار يوصل إلى ذلك الشاطئ!
لذلك ليس غريباً أننا نجد اليوم الكثير من الكهنوت في الإسلام تحت مسميات مختلفة على رأسها (رجال الدين)! وهذا طبعاً لا يعني الجميع. بل يعني البعض الذين لا صفة لما يمارسونه سوى تلك! لكن الغريب، إلى حد ما، هو أن تكون بعض مفاصل الحكومة متواطئة مع هؤلاء بشكل مكشوف لافت للنظر! بل وجديد كلياً على بلدنا عبر تاريخه الحديث كله!
قبل فترة قرر أحد هؤلاء أن كتاباً حائزاً على موافقة وزارة الإعلام هو كتاب (مسيء للإسلام). فاستخدم (سلطاته) لإقناع رئاسة مجلس الوزراء بإصدار تعميم يمنع التعامل مع الدار! (ولا نذكر هنا كتباً كثيرة لم تعط الموافقة أصلاً للاعتبار ذاته). بعد ذلك ألقيت قصيدة في مركز ثقافي في إحدى المدن وردت فيها جملة اعتقد البعض أنها (تجديف)، فاستخدموا، مرة أخرى، (سلطاتهم) لإقناع المحافظ بفصل جملة من المسؤولين عن الموضوع (وتم التراجع عن هذا القرار سريعاً)! وبعدها بقليل، لم يعجب آخرون أن تقوم جمعية تنظيم الأسرة بنشر الوعي بالوقاية من مرض الإيدز عبر إدخال التوعية باستخدام الواقي الذكري إضافة إلى الدعوة إلى الفضيلة والأحادية الجنسية. ومرة أخرى تدخلت (السلطات) لتفتح تحقيقاً حول ذلك! (رغم أن وزارة الصحة كانت شريكاً في هذا البرنامج الصحي)! وبعد ذلك لم يعجب بعض أولئك أن يدخل العلم إلى طلبة العلوم الشرعية عبر قرار لوزارة التربية بمدّ مرحلة التعليم الأساسي إلى التعليم الشرعي، بحيث يصير اختيار العلوم الشرعية بعد الصف التاسع! ومرة أخرى استخدمت (السلطة) لإجبار وزارة التربية على التراجع!
وقبل أيام فقط، ورداً على تحقيق صحفي للزميلة سعاد زاهر بعنوان: (حديقة كفرسوسة تحت المقصلة... قرار المحافظة حوّلها من منتزه.. إلى حرملك!) في جريدة (الثورة)، تتقصى فيه أسباب وآثار تخصيص حديقة تنظيم كفر سوسة إلى حديقة خاصة بالنساء والأطفال فقط. قام إمام شهير ذو سمعة واسعة بهجوم شديد، تلميحاً، على الصحفية والتحقيق والإعلام الذي يحاول النيل من (المشاعر الدينية) للناس! رغم أن التحقيق يستطلع بالضبط آراء الناس الذي يقطنون قرب الحديقة وهم المستفيدون الأوائل منها! والواقع أن سياق الوقائع السابق ذكرها يجعلنا ننتظر (عقوبة) ما للصحفية المجتهدة! مادامت الجريدة (رسمية) ومحمية بذلك من (العقوبات)!
هذا بعض من كثير يمارس يومياً! ونتساءل، بعد ذلك: لماذا يقال عن الإسلام ما يقال؟! ولماذا يُتهم بما ليس فيه؟!
إنه جواب بسيط حقاً. ذلك لأن الدين، أي دين، هو بالضبط بحامليه. ومادمنا مصرين على تقديم هذه الصورة، فهي الوحيدة التي ستنتشر! لكن السؤال الأهم هو: حتى متى ستبقى بعض أجهزة الدولة تتعامل بمنطق الممالأة هذا؟!
نحن لا ندعو الدولة ولا غيرها إلى اتخاذ أي إجراء بحق هذا المواطن أو ذاك حين يعبر عن رأيه، أياً كان رأيه. لكن ما نستغربه حقاً هو هذا الاستعداد (المستجد) لترجمة الآراء التي يستند أصحابها إلى فهمهم الخاص للدين، إلى واقع! رغم أن رجال دين آخرين، ولهم قيمتهم، لهم آراء مخالفة في القضايا نفسها، وكثيراً ما يقدمون صورة مشرقة للإسلام. لكنهم مقصيون! بل إن بعضهم يحارَب علناً من بعض هذه الأجهزة! وفي أغلب هذه الحوادث التي ذكرت أعلاه كان هناك بعض هؤلاء مشاركاً في النشاطات. لكن القرار اتخذ بناء على تحريض هذا أو ذاك! كيف لنا أن نقدم صوت (التشدد) دائماً على صوت (الاعتدال)؟! ومنذ متى صارت الحكومة السورية تأخذ هذا (التشدد) مرشداً لها؟! هذا ليس ضرباً في الرمل. ففي موضوع الكتاب كان هناك رجال دين آخرون عبروا عن امتعاضهم من قرار المنع. وفي نشاط الجمعية السورية لتنظيم الأسرة كان هناك رجال دين مشاركون في الندوة. وفي قرار مدّ التعليم الأساسي إلى التعليم الشرعي كذلك كان هناك رجال دين يؤيدون هذا التوجه!
فما الذي يجري إذاً؟! وهل لدى الحكومة أجوبة بسيطة وعلنية على هذا؟ أم أنها تبنت أيضاً الأسلوب ذاته في الامتناع عن الرد على الحجة بالحجة على قاعدة: هم يقولون ما يقولون، ونحن نفعل ما نريد؟!


بسام القاضي، جريدة النور- 253 (12/7/2006) 


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS