لا أعرف ما إذا كان الصمت (يحكي)، كما يدَّعي الشعراء والغاوون أم لا! أقله في هذه الحالة. لعله يفعل ذلك حين يكون فرحاً أو حزناً! كرهاً أو حباً! أو أي من المشاعر المختلفة التي يعرفها البشر قبل أن يعرفوا أنفسهم. بل لعلهم كانوا يعرفونها، ويعايشونها، ويتشاركونها برقي أعلى قبل أن يعرفوا أنفسهم! أي قبل أن يتعلموا كيف (يتفذلكوا) صباح مساء في محاولة بائسة مثيرة للشفقة لإخراج أجسادهم من كميائيتها، وإخراج ذواتهم من مستواها الحقيقي في الطبيعة التي هي.. أمنا!
لكنه، أي الصمت، لا يحكي حين يكون.. عجزاً! أقله في حالتي!
بلى، واستلوا ما شئتم من صفات ونعوت اهترأت من كثرة استخدامنا إياها في القرن العشرين البائد، النصف الثاني منه خاصة! هذا الصمت ليس إلا عجزاً! عجزاً عن الفهم! عن التفهم! عن القبول! عن التسليم! عن الموافقة! عن.... وخاصة عن القول! عن التعبير!
وكعادتنا، نحن الشعوب التي لا تجد في حاضرها ومستقبلها ما يمكنها الركون إليه، فتلجأ إلى (تاريخها) عله يوقفها على الحافة. أعود إلى (تاريخي الخاص)، ذلك الذي لم يعد منه سوى ذكرى في عقول البعض عاجلاً أم آجلاً، دون أية بقايا!
ذات يوم بعيد كنت واحداً من شلة في مدينة ساحلية بعيدة. مدينة لم تكن من تلك التي (تغفو) على هدير الأمواج. بل كانت مدينة تضج وترقص صباح مساء. كانت مدينة مليئة بالحب والتسامح، بالفكر والاختلاف، بالعقل والشعوذة، بالعنف والسلام. لكنها كانت، مع كل ذلك التناقض الذي هو (الحياة)، تستيقظ كل يوم طازجة كعاشقَيْن في صباح مبكر! وتغفو متراخية كعجوزَيْن ما عادا يكترثان!
ثم ما لبثت السماء أن اكفهرت. وجاءت غيوم سود مليئة بالشر والكراهية. وفرضت إيقاعها المقيت على حياة الناس. ووجد الكثيرون أنهم صاروا جنوداً مكرهين في جيوش ليست لهم! ولم يستشرهم أحد في أن يكونوا فيها! ولا مهرب لهم منها! ولم تنجُ شلتنا من شخير الموت هذا!
في مساء كان يفترض أن نكون فيه، كالعادة، شياطين تلعب على الشاطئ، وتتقافز من زاوية إلى أخرى، وتتبادل أشعاراً مضحكة وطرائف مؤلفة تواً، وتتغزل بصبايا يملأن العالم معنى وجمالاً، خرج صوت مفاجئ من قلب الشلة، لم يكن صوتاً نعرفه! كان مقرفاً! أسود كظلام القبر! بشعاً كالتفسخ! حاقداً كجمل! وقال إن اليوم لن يكون للفرح ولا للشيطنة. بل سيكون (لحسم الأمور الجلل)!
لم أعد أتذكر، وربما لا أريد أن أتذكر، ولعلني لا أريد أذكر الآن أية أمور (جلل) كانت! ولا أي (حسم) كان يراد! لكنني أذكر أن بعضاً منا وقف فجأة ليقول: لا! وكنا في عمر لم ينفصل فيه العقل عن الشعور بعد، عمر ينتمي إلى الجسد العاري لا إلى الأردية المضمخة! عمر يرتقي الشعور الحار فيه بالعقل البارد. وينشط العقل البارد فيه بالشعور الحار! عمر لم يتعلم المرء فيه بعد كيف يغلب التفاهة على السمو! الشكل على الجوهر! العقائد على الحياة!
لم تكن الـ(لا) سهلة في تلك الأيام التي كان الموت فيها سهل كشربة ماء! وكان القَتَلة أكثر من أن يصنفوا! ومشاريع القتلة، سراً وعلناً، في كل زاوية وحارة! ولكل منهم (جنته) الخاصة التي لا تنتظر إلهاً ليقرر من يدخل ومن لا يدخل! بل عليك أن تقرر فوراً أنك في (هذه الجنة) أو.. أنت من المغضوب عليهم والضالين! الأصح أن عليك أن تقرر في أي (خندق) أنت؟ ثم يقرر ولاة الخندق أنك دخلت هذه الجنة، فحق عليك الموت (شرفاً)! أو اخترت ذلك (الجحيم)، وحق عليك الموت (خيانة)!
لم (تنفع) لا خاصتنا! وجدت من يسمعها ليعاديها، لا لشيء آخر! ولعل الكثيرين يذكرون أي غربان احتلَّت السماء والأرض سائدة بنعيقها الأجرب! وحارمة فضاءنا من أي صوت آخر! ويذكرون أي دمار حاق بنا! أية هزائم كانت، وأية انتصارات!
لكنها كانت (لا) حقيقية. (لا) إنسانية. (لا) هي، أولاً وأخيراً، من حقنا! وصادقة.
لست أدري لماذا أظن أنكم تبتسمون الآن! ولعلكم تهمسون: يا للمدعي! لقد جرى ذلك معنا، ولكن قبل تلك الفترة بسنين، بل بعقود، وربما قرون! وفي انقسامات تحت مسميات أخرى! ولعل بعضكم الآخر يقول: لا.. بل جرى ذلك معنا بعد ذلك بسنين، وربما بعقود.. وأيضاً تحت انقسامات ومسميات أخرى!
أنا أيضاً أبتسم ساخراً. لكن من نفسي الشريرة، وأنا أراها تعود مرة أخرى إلى تلك الفترة من العمر التي يكون فيها العقل والشعور كياناً واحداً متكاملاً ومتداخلاً! تلك الفترة التي يمكنك فيها أن تقول: لا! ولا يهمك بعد ذلك أن تسمى: خائناً، كافراً، متخاذلاً، مغامراً..