كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow أوقفوا بثّ هذه الصور!
أوقفوا بثّ هذه الصور! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

رغم تسمُّري ساعات، ثم أيام، وها هي ذي تصير أسابيع، أمام شاشة التلفاز اللعينة متابعاً، كجميع الناس في هذه المنطقة اللامنطقية من العالم، الموت الأسود على مدار الساعة، إلا أنني آليت على نفسي أن لا أكتب كلمة واحدة عما يجري الآن وهنا! ليس في لبنان وحسب، بل في منطقة الشرق الأوسط الملعون كلها! هذا (الأوسط) الذي لا يحمل من اسمه سوى رنين أحرفه! وكل ما تبقى هو على طرفي العصا! العصا التي تأكل من أجناب الناس، ومن معداتهم، ومن حيواتهم! العصا التي تعيدهم، بالحديد  والنار، بالقنابل العنقودية والفسفورية، بالديماغوجيا والتضليل، بالتطرف والإجرام، وبألف مسمى آخر، تعيدهم إلى الوراء آلاف الخطوات كلما مشوا خطوة واحدة إلى الأمام! حتى بات من الصعب حقاً أن يعرف المرء أين هو (الأمام) هذا؟ أين هو في زحمة الموت العشوائي؟! أين هو في جنون القتل والتدمير؟

وللأسف لم أستطع أن أهضم فكرة القتل أياً كان مسماها! ليس لأنه (تعددت الأسباب والموت واحد)! فالأسباب هي نصف النتيجة. وحين يختلف السبب تختلف النتيجة وإن تساوت في الصورة. لكن لأن الموت هو، بأبسط ما عرفته البشرية من كلمات، حالة لا يمكن التراجع عنها! لأنه نهاية مطلقة للميت سواء كان إطلاقها في جنات عدن، أو جحيم سقر، أو العناصر الأربعة.
لكن، لحسن الحظ هذه المرة، لم أكن يوماً، ولن أكون في موقع أستطيع فيه أن أجعل مما (أهضمه) أمراً شائعاً أو مقبولاً! ولذلك فإن ما أعتقده لا يساوى شروى نقير في عالم تقود كل خلية فيه وكل نبضة هرمونات القطيع!
إلا أن هناك تفصيلاً لم أستطع الصمت عنه! ولم أستطع أن أفهم له مبرراً ينتمي إلى عائلة هذا الكائن القاتل لبني جنسه المسمى الإنسان! إنه سلوك فضائياتنا على امتداد مساحة اللغة العربية التي يضم معجماها الأهمان، لسان العرب والقاموس المحيط، الكثير من الأفعال والأسماء وبجانبها إشارة: ميتة! أي غير مستخدمة!
إنه إصرارها الفظيع على عرض صور ضحايا التدمير الإسرائيلي في فلسطين وجنوب لبنان! وبطريقة غريبة حقاً تسرع الكاميرا لالتقاط أبشع الصور وأكثرها دموية! وطبعاً مع نبرة عالية في الصوت: انظروا ماذا يفعل الجيش الهمجي!
لكن ما الذي نفعله نحن ببث هذه الصور وإعادة بثها؟ ثم إعادة بثها مرات ومرات؟! ماذا نقول؟! أنقول ذلك لمن يرى الطائرات الحربية الأمريكية الصنع تحلق فوق رأسه قبل أن يطير بلحظات؟! أنقولها لما يقارب المليون الذين باتوا الآن طريدي الشمس والليل العاريين؟! أنقولها للأطفال الذين شاء حظهم أن شيئاً من القذيقة وشظاياها لم تطلهم؟ أم لعلنا نقولها للجالسين على التلفاز بعيدين عن (ساحة الوغى)؟! لعلنا نقولها للنساء الحوامل اللواتي يتابعن ما يجري؟! أو لعلنا نفعل ذلك للأطفال المجبرين على متابعتها بعد أن حرمناهم، نحن الكبار، من متابعة أفلام كرتون لصالح همومنا (السياسية)؟! وربما نقولها (للأجانب) الذين يتابعون قنواتنا لأنهم يسوحون الآن في بلادنا؟!
وماذا نقول بذلك؟ ماذا تقول الأشلاء المتناثرة حين تظهر، وتعاد على شاشة التلفاز مرة تلو الأخرى؟! ماذا يقول الرأس المشروخ المغطى بالدم؟! ماذا تقول الجثة الملتوية ونصفها تحت الأنقاض؟! ماذا نقول بهذه الصور؟ هل نؤكد همجية نعرفها جيداً؟!
لكن لا! يبدو أننا أقل فهماً بكثير من أن تقنعنا الكلمات، وتؤثر فينا حين تقول ما جرى بصور (معتدلة)! يبدو أننا أغبياء وسطحيون إلى درجة أننا لا نفهم ما نحس ما لم نر البشاعة بأبشع صورها! ويبدو أن القائمين على هذه المحطات يعتقدون أن من واجبهم أن (يرفعوا) من مستوانا عبر وضع كل ذلك داخل أعيننا! قسراً!
قبل أيام كان مذيع قناة (الجزيرة) القطرية يحاور صحفياً بريطانياً، ويتساءل: لماذا لا يعرض الإعلام الغربي، والبريطاني خاصة، هذه الصور. قال الضيف: إنه شيء يتعلق بتقاليد بريطانيا في عدم عرض جثث الموتى احتراماً لهم وللمشاهدين. وقال: حين تقول الوسيلة الإعلامية إن ما جرى هو كذا وكذا، وترفق ما جرى بصور للدمار، فإن الناس تصدق ذلك أو لا تصدقه بناء على ثقتها بهذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، وليس بناء على الصور! لكن مذيع الجزيرة لم يعجبه الرد، فعاود السؤال مراراً وتكراراً متسائلاً: أليس ذلك انحيازاً؟ ومتسائلاً عن مصداقية الخبر الذي لا ينقل الصور كاملة كما هي؟ قال الضيف الصحفي: في أحداث إيرلندا الشمالية، وفي تفجيرات لندن ومدريد، لم نقم أيضاً بنقل صور أشلاء الضحايا أو الجثامين المغطاة بالدم!
صدق الضيف أم كذب، لا يهمني ذلك في شيء. ما همني حقاً هو أن مذيع الجزيرة كان يعبر بالضبط عما أراه خطأ فادحاً. مصداقية الخبر، والثقة بعقل الناس.
من المضحك أن مصداقية الخبر تتعلق بالصورة بغض النظر عن أثرها! وهي حجة غير حقيقية!  فالإعلام العربي لا يقوم بنشر صور فاضحة لفضائح جنسية تتعلق بشخصيات غربية رغم أنه يؤكد صحتها!
والإعلام هذا، بكل مسمياته، لا يثق بعقول الناس! لا يعتقد أن بث الخبر دون صور، أو مرفقاً ببعض الصور (المعتدلة مرة أخرى) يكفي ليعرف الناس ما جرى! وليشعروا بهول ما يجري!
أياً كان الأمر ومهما كانت القضية، أعتقد أن بث صور الموت بهذا الشكل لا يتضمن إهانة حقيقية للضحايا ومتاجرة بهم وحسب، بل أولاً يتضمن قدراً وافراً من (الوحشية)! وهذا التركيز على هذه الصور، والإصرار على إعادة بثها مرات عدة، لم يؤد، عندي على الأقل، إلى (رفع) سوية إحساسي بما يجري! وطبعاً لم تغير بشاعة الصورة من موقفي الذي يمر عبر تلافيف دماغي، وليس عبر هرموناتي!
إنه نداء، نداء إلى كل قنوات البث المرئي في كل مكان، بدءاً من الشاشات المحلية: توقفوا عن هذه الحماقة! توقفوا عن هذا السلوك البغيض! وإذا كنتم قد نسيتم، تذكروا أن ملايين الأطفال يشاهدون، مكرهين، هذا البث! فلا تزيدوا من حجم الكارثة بما يمكن لهذه الصور أن تتركه في نفسياتهم! أرجوكم، ما زال لدينا بعض عقل لم نُسلبه! ولعله كافٍ لتقدير بشاعة ما يجري! ولعلكم تملكون ألف وسيلة أخرى لفضح همجية هذا العدوان، دون الحاجة لهذه الصور!

  

إثر نشر هذه المادة، تم إيقافي عن العمل بجريدة النور، بحجة أن ما أكتبه يتعارض مع سياسة الحزب الذي تتبع له الجريدة.


بسام القاضي، جريدة النور- 256 (2/8/2006) 

تعليقات
أضف تعليقكبحث
هناك في البعيد - لم يكتب   | | 2008-06-29 17:45:47
هذه الصور اللعينة قد تسببت بكارثة نفسية لم اتعافى منهاولااريد ولاتسالني ليش لاني مادخلك
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS