كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
الرئيسية arrow مقالات.. arrow آخر الكلام..
آخر الكلام.. طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

هذا ليس صحيحاً! فالكلام لا ينتهي! حتى إذا قُطع اللسان أو انتُزعت حبال الحنجرة! حتى إذا حُرق الورق وجفّ الحبر! حتى إذا ألغيت الحواسيب ومُنعت الفضائيات وألغيت (المنتديات)! حتى إذا كشّر رجال الأمن واصطف رجال مكافحة الشغب! حتى إذا جُنّ جنون الظلاميون العلمانيين وغير العلمانيين.. الحاكمين والمعارضون.. المحليين وغير المحليين! حتى إذا ادعت الأحزاب أنها اكتنهت الحقيقة! حتى إذا خرج علينا من خلف كل حجرٍ طالبانيٌّ جديد! بل حتى إذا تمدّد الكون حقاً إلى الدرجة التي ينهار فيها عائداً إلى كثافته السوداء الأولى، ماسحاً كل ما فيه.. لن ينتهي الكلام!

لن ينتهي الكلام. وليس ذلك لأنه صفةٌ حصريةٌ لهذا الكائن الفظ (الإنسان)! فهي ليست صفةً حصريةً به! وإن حاول احتكارها كما حاول مع الضحك والبكاء والتفكير! بينما الصفة الوحيدة الحصرية له هي أنه الكائن الوحيد الذي نجح في بناء أنظمةٍ قمعيةٍ قائمةً على اضطهاد بعض بني جنسه لسواده الأعظم! الوحيد الذي نجح في تحويل خشب الأشجار إلى (فلقة). وتراب الأرض إلى (سجن). والفضاء الكبير إلى أجهزة تنصتٍ وتجسس!
وليس ذلك لأن الإنسان قد عُلِّم الكلام، بينما اكتشف كل ما عداه، حتى عورته! فهو لم يُعلَّم. بل دفع ثمناً باهظاً لاختراعه المبعثر على حجارةٍ ولغاتٍ ولهجاتٍ.. لا تني تضج وتضج كطبل أجوفَ! وتتقاتل وتتحاربُ! وينفي كلٌّ منها الأخر! ويدعي كلٌّ منها البداية الفطرية الأولى!
وليس ذلك لأنه الأبلغ في التعبير! فقد سبقته صرخةٌ مفتوحةٌ من فمٍ هو كل ما تبقى تحت وابل (الكبل الرباعي)! وسبقته دمعةُ عينٍ تسقط على طفلٍ يموت في سراديب مشافي الجرذان! وسبقته همسةٌ لعاشقٍ خلسةً عن قوانين جرائم الشرف! وسبقه جموحُ جسدٍ على مسرح!
وأولاً، وقبل كل شيء، ليس لأننا، نحن أبناء هذا الجنس المعتوه الذي صدق أنه (سيد الكون)، نستطيع أن نقرّر ذلك!
الكلام لا ينتهي لأننا لا نستطيع العيش دونه. رغم أننا فعلنا ذلك لمئات الآلاف من السنين، وربما لملايين منها! حين كنا نقف مدهوشين أمام بطنٍ حاملٍ يُسقِط في هوة الحياة كائناً جديداً بينما يشق صراخٌ عنان السماء! حين كانت التوتة البرية هي تلك التي نقطفها لنأكلها. لا تلك التي تساوي كذا من الليرات السورية أو الرواندية أو الأمريكية! حين كنا ننام لأننا نعسنا. لا لأننا قرفنا نهارنا وأخباره وأفلامه! حين كان البرق هو ذاك الذي يلمع في السماء، لا ذاك الذي يلمع في رأسٍ موصولٍ إلى جهازِ كهربةٍ! حين كنا نصلي لنتّق (خوارق) الطبيعة، لا (لنُلهَم) أيّنا الكافر! حين كنا نموت فوق الأرض، ككل كائنات الأرض، لا تحتها!
ولكننا بدأنا الكلام! ولم نتوقف حتى الآن! ولن نتوقف، فيما يبدو، عن اكتشاف المزيد والمزيد من وسائله! بل كلما مضينا أكثر في ذلك، ابتعدنا أكثر عما أدنّاه دائماً، ورغبنا فيه دائماً: إبتعدنا عن (ثرثرة النسوان)! تلك الإمكانية الخلاقة على اكتناه الحياة وعيشها! ذلك المنطق السري المتغلغل في الروح، والذي فشل أرسطو في قوننته! وفشل نابليون والحجاج وهتلر وبينوشيه و.. في (قطفه)! بل فشلوا جميعاً حتى في هدهدة دبيبه!
هل كنا أفضل قبل أن نخترع الكلام؟! أقل ضراوةً؟! أكثر (إنسانيةً)؟!
حقاً إنني لا أدري!
ليس لأنني لم أعش ذلك الزمن وحسب. بل لأنني أمضيت ما ينوف عن أربعين عاماً، هي كل عمري الذي عشته كاملاً فوق هذه الأرض، وتحت رحمة الأحكام العرفية، وأنا أثبّت عيني على بصيص ضوءٍ في آخر النفق الذي لا ينتهي! أثبّتهما على ما رغبت دائماً أن يكون بصيص أملٍ! على ما حاربت دائماً لأجل أن يكون بصيص أملٍ!
لكنني أدري، للأسف، أننا كنا أكثر انسجاماً مع أنفسنا بكثير! كان ظاهرنا أكثر ملاصقةً لباطننا! كانت عيوننا هي مرايا حقيقيةً لأرواحنا! ولم نكن قد اكتشفنا بعدُ هذه الهوة السوداء.. ذاك السجن المعتم الكبير الذي ستغزله لنا الكلمات، وتحبسنا فيه!
لم نكن قد اخترعنا بعد مفهوماً يدعى (الصدق)، نعمل ليل نهار على نخره كدود الخشب! ولا مفهوماً سميناه (العدالة) وسويناه أنشوطةً لحفل شنقٍ جماعي! لم نكن قد اخترعنا كلمة هي (الحرية) لا يمكن تعريفها بالضبط إلا بعكس ما نعيشه! ولا مصطلحاً هو (سيادة القانون) يعني فقط القانون الذي يفرضه (الخطو الثقيل)! وطبعاً لم نكن قد اخترعنا بعد آلهة تجنّد جيوشاً عمياء وصماء وبكماء، بسيوفٍ تقطر دماً! لم نكن قد أقمنا حكوماتٍ تدعي الديمقراطية وتحكم الخناق على رقاب العباد! ولا أحزاباً مستعدةً للتضحية بنصف الشعب (الخائن) ليحيا نصفه الآخر (الصالح)! وأخرى قادرةً على تغيير لونها أسرعَ مما تفعل الحرباء! لم يكن قد ولد ميكافيللي بعد، ليظهر مدى تفاهتنا المزرية! ولم يكن قد ولد فرويد بعد، ليبرهن أننا أمساخٌ جنسيةٌ!..
أطلتُ الكلام.. أليس كذلك؟! اعذروني.. فآخر الكلام أنني استيقظت اليوم لأكتشف للمرة 14730 أنني ما زلت تحت رحمة الأحكام العرفية، منذ طلَقَتني أمي!
لذلك.. اسمعوا مني.. لا  تصدقوا، بعد اليوم، الكلامَ! لا تصدقوه أياً كان قائله! صدقوا فقط ما تستيقظون عليه كل صباح!


بسام القاضي، نشرة كلنا شركاء في الوطن، 2006

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS