كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

صباح الخير أيتها الحرية
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow وطن.. ومواطنية
وطن.. ومواطنية طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

لم يسجل لنا أحد ما الذي كان يدور بخلد خالد ابن الوليد وعمر بن العاص وطارق بن زياد، وجميع حملة السيف الذي انطلقوا من عزلتهم الصحرواية في شبه جزيرة العرب ليشقوا أبواب عالم (بعيد وغريب) ويفتحوا آفاق حياة لم تكن تخطر على بالهم من قبل! وخاصة، لم يقل لنا أحد إن كان مفهوم (الوطن) قد دار بلخدهم أصلاً أم لا! والأمر ذاته عند صارغون الأول، والاسكندر المقدوني، وهولاكو، ومحمد علي، و... وأشك أن الأمر ذاته أيضاً عند جميع القادة القدماء في جميع أنحاء العالم.

وإن كان قد دار في خلدهم، فإننا لا نعرف أية تصورات فكروا فيها ليقولبوا (الوطن) فيها!
وأشك أكثر إن كان يمكن أن يضع أحد مفهوماً نهائياً للوطن. ولهذا، ربما، ما زلنا حتى الآن نطرح مفاهيم مختلفة أيما اختلاف. والأهم أننا نعدل في هذا الفهم أو ذاك وفق هذا الظرف أو ذاك! فتارة يمكن أن يكون (التنازل) عن قطعة من الأرض هنا أو هناك (وطنية) لأنه ينقذ ما تبقى من (الوطن)! وتارة أخرى يمكن لنا القضاء على (نصف الأمة) لأن ذلك ينقذ النصف الثاني)! وتارة ثالثة لا بأس من أن تمتلئ السجون بأصحاب الرأي لأن (مصلحة الوطن) فوق كل مصلحة! وتارة رابعة.. وخامسة..
وعليه أتساءل إن كان (كفران) من أمضى خمس أو عشرة أو عشرين عاماً في السجن لأجل رأي حمله فيما يخص الوطن، هو (خيانة وطنية)! وأتساءل إن كان هؤلاء الشباب المتدافعين على السفارات الأجنبية طلباً لعمل ولتقدير في العمل ولحياة محترمة، هم وطنيون أم لا! وأتساءل إن كانت النساء اللواتي لا يجدن ساعة فراغ لتمشيط شعورهن، دون أن يتمكن من منح أبناءهن أو أزواجهن جنسيتهن، هن وطنيات أم لا! وأتساءل إن كان الذي ينهب ثروات هذا البلد ويخربه بفساده هو وطني أم لا!
لكن الذي يهمني حقيقة، وبكل أنانية، هو إحساسي الشخصي. إذ لم يعد يعجبني أي تفكير لا يأخذ شخصي الكريم بالحسبان، تحت أي مسمى كان. وإحساسي الشخصي يضعني في مأزق جدي:
كيف لي أن أدافع عن وطن يسلبني كل معطيات العيش التي هي، حكماً وبلا أي مبررات، حق مطلق لي؟! كيف لي أن أدافع عن وطن لا يمكن لي فيه قول رأي الصريح بدون تحقيق وتعذيب وسجن؟! كيف لي أن أدافع عن وطن كلما رفعت سماعة الهاتف فيه بدأت آلة تسجيل في مكان ما تسجيل حديثي منذرة إياي في أوقات منتظمة بانقطاع لحظيّ في المكالمة؟! وأنا لا أستطيع الاجتماع مع أكثر من اثنين لمناقشة أي قضية كانت؟! وأنا محتاج إلى موافقات لا تنتهي لأجل حفلة عرس؟!.. كيف لي أن أفعل ذلك وأنا مضطر للعمل 14 ساعة في اليوم الواحد لأؤمن حداً أدنى لحياتي البيولوجية؟! كيف لي أن أفعل ذلك ومزارع كبار المسؤولين تنتشر على مد نظري في كل قطعة أرض خصبة أو جميلة؟! وبعض الأمراء يسيطرون على كل نشاط اقتصادي صغر أم كبر؟! والفساد والرشوة التي تأكل لحمي أنا محمية حماية شبه مطلقة؟!.. ثم لا يمكنني أن أرفع دعوى واحدة، سواء ربحتها أم خسرتها، ضد أي من هؤلاء الذي يحولون حياتي إلى جحيم قلق لا استقرار فيه؟! كيف لي أن أكون وطنياً في وطن مكاني الوحيد فيه هو أن أبقى، وبلا صوت احتجاج، تحت النير ليل نهار؟!
ذات يوم صرخ أحدهم (صارت الخيانة وجهة نظر)! مفترضاً، ببداهة كل المطلقات التي هي ديكتاتورية حكماً، ورجعية حكماً لأنها مطلقات، أن ما تمت خيانته هو معطى بديهي نهائي! ربما كنا أشطر شعب في صياغة الجمل البليغة التي لا تؤدي إلى شيء! لكن لا يهمني إن كانت الخيانة كذلك أم لا. ما يهمني أنه لم يعد هناك مكان لرسم الوطن كما حاول الكثيرون رسمه ذات يوم: يحده من الشمال جبال كذا.. ومن الشرق نهر كذا..! بل حتى تلك الجمل المبهمة عن الشعب السعيد والكريم و.. لم يعد لها معنى في عالم المعطيات الرقمية هذا! الوطن اليوم هو ديمقراطية مقنونة. هو قضاء مستقل ونزيه. الوطن اليوم هو حقي بالتظاهر والتنظيم والاجتماع والاعتقاد والنشر و.. و..! هو دخل يؤمن لي ولأسرتي مسكناً وطعاماً وشراباً ولباساً ودواءً وتعليماً لائقاً.. وبعض الوقت لأسترخي وأرتاح!
هذا الوطن هو الوحيد الذي يمكنني أن أقاتل عنه، وأحميه. هو الوحيد الذي يمكنني أن أزرع فيه شجرة لن آكل من ثمرها.. هو الوحيد الذي أستطيع أن أحبه، وأربي أبنائي على حبه..
وهذا الوطن اليوم هو، بعيداً عن كل الحذلقات اللفظية، المواطنية! وكل ما تبقى هو ..


بسام القاضي، منعت من النشر في جريدة النور


تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS