كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
عرَق.. وأعراق! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

أما (العرَق) فهو معروف لا حاجة بي إلى شرحه. فهو ذاك السائل الغريب الذي يفرزه الجسم في نشاطه المستمر للتأقلم مع تغيرات درجة الحرارة من حوله. وفي سياق مهمته تلك، يقوم بتخليص الجسم من بعض من نفاياته. وهو غريب لأنه جامع للمتناقضات. فهو كريه الرائحة عموماً. إلا أنه من يقرر إن كان هذا العطر أو ذاك مناسب لهذا الجسد أو ذاك. وهو محارَب منذ القدم. لكنه العنصر الأول في الجذب الجنسي عند البشر. وشبه الوحيد عند الكثير من الحيوانات. وهو دليل لا يدحض على جهد كبير يبذله هذا الجسد. وهو، في الوقت ذاته، دليل لا يدحض على خجل شديد!

و(العرَق) أيضا، هو سائل شفاف يقال أنه يُذهب العقل. والغريب أن هذا السائل المقطر هو اختراع عربي. وبينما توقف العقل عند العرب منذ عصور قديمة، استمروا في إنتاج المزيد والمزيد مما يذهب ما ليس بموجود!
أم (أعراق) فهي جمع مفرده (عرق)، بتسكين الراء. وهذا، فيما يقول الانتربولوجيون، وهم مختلفون فيما يقولون، مجموعة بشرية تجمعها صفات تاريخية محددة. وغالباً ما يرفع الأصل (الدموي) إلى المرتبة الأولى. وهكذا يقال عن الغاليين (سكان فرنسا الأصليين) أنهم عرق. ويقال عن الجرمان (سكان ألمانيا الأصليين) أنهم عرق. ويقال عن العرب (سكان عدة دول مختلفة) أنهم عرق.
هل هذا صحيح؟! أقصد هل العرب عرق؟! أعرف أنهم يسمون عادة (أمة) أو (قومية). إلا أن الفرق بين هذا وذاك يكاد يكون غير مرئياً. وأرجو أن لا أكون مخطئاً وأنا أقول إن الأمة، وفق ما تم استخدامه فيها حتى اليوم، ليست إلا عرقا (قد وعى ذاته)!
و(العرقية) كمفهوم تاريخي، لا يمت بصلة إلى (العرقية) كمفهوم سياسي. فالأول يدل ببساطة على مسار نسل محدد تكون خلال التاريخ القديم، حين كان الدم هو الوحيد الرابط بين هذا الخارج من مملكة الغريزة إلى مملكة الوعي. والثاني هو استخدام الأول عبر تمجيده وتعظيمه وتهوين شأن غيره، خدمة لمصالح ما.
والأعراق في العالم اليوم كثيرة كما تعرفون. ولا أعرف من هو أكثر من مَن: الأعراق أكثر من الدول؟ أم العكس؟! إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة أنه مرت عصور كانت الأعراق فيها تستوطن بلدانها. وكانت بلدانها تعبر عنها. إلا أن ذلك لم يعد سار المفعول. فمع الدولة الحديثة، وموجات الهجرات المتتالية بين البلدان، وعولمة الصناعة والتجارة والنقل والإعلام  والإيدز و.. صارت الدول هي تعبير عن كيانات سياسية محددة بجغرافيا. بينما تضم على أراضيها، مواطنين ذوي أصول عرقية مختلفة. هكذا هو الحال في فرنسا مثلاً. فالفرنسي هو مواطن في دولة اسمها فرنسا. وهو قد يكون ذو أصول غالية أو عربية أو جرمانية أو بربرية أو كردية أو ..
فإذا كان الأمر كذلك، فإن جميع الأفكار والحركات والأحزاب التي تمجد عرقا (أمة) ما، هي أحزاب قائمة على أساس عرقي!
ياللهول! ماذا قلتُ للتو؟! أظن أنني اخترقت خطاً أحمر يحرق الأخضر واليابس؟! ولربما دفعت ثمن ما اقترفه كمبوتري غالياً! بل ربما ندمتُ ندامة الكسعي! على أن الكسعي ندم حراً، وهو ما قد لا يتاح لي! إلا أنني لن أتراجع عن ذلك. دعونا نكون بسيطين وواضحين. فقد مللنا من تلك المناورات التي لا تنتهي حول المفاهيم، والتي تلويها هكذا أو هكذا وفق ما يناسب فهمها أو مصالحها! العرب هم، كالجرمان والغاليين والبربر والكرد.. هم عرق.
لا بأس. بصراحة لم تعجبني كل ذلك الحديث عن احتمال مشروع قانون أحزاب في سورية. أقصد ما يتعلق منه بالأحزاب على أساس عرقي. إذ ما فتئنا نسمع كل يوم مسؤولا في الحكومة، أو في هذا الحزب أو ذاك يؤكد على أن يكون المشروع واضحا في منع قيام الأحزاب على أساس عرقي. وفي الحقيقة لست معنيا هنا في أن أؤيد هذه النظرة أو أخالفها. كل ما أنا معني به هو الطلب إليكم، أيها السادة المنظرون المحترمون، أن تكونوا على قدر بسيط من الانسجام: إما لا للأحزاب على أساس عرقي، وهذا يعني لا لأي حزب يمجد الأمة العربية، أو الأمة الكردية، أو الأمة البربرية، أو الأمة الجرمانية، أو الأمة الأناضولية... مهما كانت مرفقات اسمه. وإما نعم للأحزاب على أساس عرقي. وهذا يعني ما تعرفونه جيداً.
ومنعا للمناورة البائسة، أود الإشارة إلى أن من يقول أن الأعراق هي غير الأمم، مستنداً في ذلك إلى أن الأمة الفارسية تختلف عن الأمة الجرمانية، وكليهما ينسبان إلى العرق الآري، هو محق تماماً، إنما في سياق تاريخي انتربولوجي لا علاقة له بالسياسة. وما هو مقصود من موضوع الأحزاب على أساس عرقي هو غير ذلك تماماً. وهذا الأخير يساوي تماماً بين الأمة والعرق. أو بدقة، يساوي بينهما وفق ما تقتضيه مصلحة القائل!
هل هي صعبة؟!


بسام القاضي، نشرت في موقع منتدى الأتاسي (2006)

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS