كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
الرئيسية arrow زاوية منفرجة.. arrow الصعود إلى الأسفل!
الصعود إلى الأسفل! طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

ربما كان هذا عنوان قصة ما قرأتها في مكان ما! أو مجموعة قصصية! أو ديوان شعر! وربما كان اسم فيلم ما! ولعلها تكون مجرد فكرة خطرت ببالي ذات يوم، فتسللت من هلاميتها تلك لتبدو لي على أنها قدمتْ من (الخارج). وليس من تلافيف مخي التي بدأت بالتسطح. حالها في ذلك حال تلافيف كل من يبدأ بتجاوز الأربعين من عمره. رغم أنف من يصرّ، بحكم تجاوزه الأربعين، على أن (الخبرة) هي أساس الحياة!

في الحقيقة لم أعد أعرف على وجه الدقة من أين جاء هذا العنوان. فالمشكلة أن الحدود الفاصلة بين رفوف الذاكرة تبدو كأنها مصفاة منزلية أكثر مما هي رفوف مكتبة! فهي تسمح للأشياء بالانتقال، دون إذننا، من هذا الرف إلى ذاك. متحولة في طريقها إلى ما يناسب الرف الجديد. وليس دون إذننا فقط، بل أيضا دون أن تشعرنا بما طرأ من تغيرات!
هذا ما يحدث لي على الأقل. فبينما يترجرج جسدي على مقاعد السرفيس المخلعة، أفاجأ بهذا الكم الهائل من الحفر والمطبات والمنزلقات بدلاً من الإسفلت! مع أنني أمر على الطريق ذاتها مرات في اليوم، إلا أنها تبدو لي جديدة على الدوام! ورغم معرفتي أن هناك تعميماً مشدداً على شرطة المرور أن لا (يسلموا باليد) على سائقي السيارات العامة والخاصة. وهو السلام السحري الذي ينجم عنه قطعة ذات لون ذهبي تستقر في كف الشرطي. إلا أن لعبة ذاكرتي ما زالت تهيئ لي أنني أرى تلك اليد تمتد كيفما وليت وجهي! ورغم يقيني المطلق أن كلمة (الاشتراكية) ما زالت مثبتة في الدستور، دستورنا. وما زال الطلاب يرددونها صباح كل يوم في مدارسهم. إلا أن اللعبة ذاتها تهيئ لي أنني ما أنفك أقرأ تصريحات لمسؤولين كبار تؤكد أننا حسمنا خيارنا بتبني اقتصاد السوق!
بل حتى في حياتي الشخصية. ما إن أفتح باب بيتي الذي أعرفه جيداً لأنني أدفع أجر إشغاله أول كل شهر، بينما يتأخر محاسب الجريدة كل شهر في (تقبيضي) المعلوم غير عابئ بحالي، معتقداً، كحال المحاسبين جميعاً، أنه ملك مملكة ليس فيها إلا الأشباح! ما إن أفتح الباب حتى يدهشني ما خلفه: هل هذا هو المكان الذي أعيش فيه منذ أكثر من خمس سنين؟! أين آثاري على أرضه أو جدرانه؟! كأنه مكان غريب أدخله للمرة الأولى في حياتي! ويقول أحد ما كلمات ما أمامي، فأفتح عيني على اتساعهما: لقد حدث هذا؟! بلى سمعت الكلمات نفسها من الشخص ذاته في الوضعية ذاتها قبل الآن! أشاهد لقطة ما من فيلم، فأروي ما شاهدته بعد فترة على أنه حدث معي شخصياً! وفي أحسن الأحوال حدث من شخص أعرفه حق المعرفة!
لكنني اكتشفت أخيرا هذه اللعبة الخبيثة لذاكرتي الملعونة. فقد أخطأت خطأ لا يغتفر في لعبتها القديمة تلك. إذ هيئ لي أنني قرأت أخبارا عن اعتقال إدارة منتدى الأتاسي قاطبة على أنها تروج لأفكار حزب محظور حظراً يصل إلى الإعدام! لم يمر الخبر كما يحدث عادة. لأن حجم الخطأ كان فادحاً هذه المرة! فقد استخدمت واحداً من أكثر محتوياتها حساسية وخطورة. ولذلك استفزت إمكاناتي المتواضعة كلها لتنقض هذه اللعبة. تماما كما يحدث في لعبة الدومينو. إذ يكفي خطأ واحد حتى تنهار الأحجار كلها على التوالي.
فأولاً: من غير المعقول أن أشخاصا أعرف أنهم، كما تعرفون أنهم، يساريون وقوميون يساريون وناصريون يروجون لتلك الأفكار الأصولية! وثانياً: أن هذا المنتدى بالذات، هو المنتدى الذي أشار إليه سيادة الرئيس في أكثر من لقاء صحفي على أنه منتدى مرخص ويعمل دون أي إزعاج! وثالثاً: أن جهات مسؤولة عدة أكدت أن (حالة الطوارئ) لا تعمل إلا في الحدود الدنيا! ومن غير المعقول أن تدخل حالة هؤلاء ضمن تلك (الدنيا)! ورابعاً: بعد أن مُنحنا مكرمة أن تخرج 67 مادة من طلب الموافقات الأمنية، بغض النظر عن أن من بينها ترخيص لكشك أو محل حلاقة أو..، لا يمكن أن يأتي السلوك التالي هو اعتقال مجموعة لم تفعل سوى (الحكي)! وخامساً: أن الجلسة التي اعتقلت إدارة المنتدى بسببها كان قد حضرها، وفق معلوماتي الناقصة، ممثل عن حزب البعث العربي الاشتراكي! وسادساً: أن الجميع يحبس أنفاسه منتظراً ما سيخرج به المؤتمر القطري الذي سيعقد في غضون أيام، ولا يتقاطع فعل كاعتقال هؤلاء مع أي مستوى من المستويات التي ينتظرها الناس! وثامناً: أن (الهجمة الأمريكية الشرسة)، والتي أقر حقاً أنها شرسة، تتطلب، بل تفرض فرضاً، حالة من الديمقراطية والانفتاح هي الوحيدة الكفيلة بصد هذه الهجمة. ولم يعد عاقل ينكر ذلك! وتاسعاً: أن أسلوب الاعتقال أكد فشله طوال عقود وعقود. ليس في بلدنا وحسب، بل في مختلف بلدان الأرض! وعاشراً: أن فعلاً كهذا يستفز الناس جميعا استفزاراً كبيراً سواء عبّروا عن ذلك أم لا! وحادي عشر.. وثاني عشر...
كثيرة جداً تلك المعطيات التي قفزت فوراً من ذاكرتي لتنبهني إلى أن خبراً كهذا، أي اعتقال إدارة منتدى الأتاسي، هو خبر عار عن الصحة. بدليل تناقضه مع كل ما تحتويه رفوف ذاكرتي عن هذا البلد. على الأقل خلال السنين الثلاثة الماضية. ربما أكون قد قرأت شيئاً شبيه به عن الكونغو بيساو، أو لاوس، أو توغو، أو حتى كوريا الجنوبية. ثم بدأت تلك المصفاة بالرجرجة، ونقلت الخبر من هذا الرف إلى ذاك، وعدلت فيه ما عدلت، فبدا لي أن الخبر يخصنا نحن!
لكن، لحظة: ماذا كنت سأقول حتى اخترت هذا العنوان: الصعود إلى الهاوية؟! عذراً منكم! يبدو أن ذاكرتي تخونني الآن وتنقل هذا الأمر من الرف الذي وضعته عليه إلى رفق آخر. فلم أعد أجد ما كنت سأقوله!


بسام القاضي، لم تنشر (2005)

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS