كثيرة هي الانتقادات التي وجهت لانتقاداتنا المتتالية لمنظمات المجتمع المدني والأحزاب وغيرها في تعاملها مع قضايا المجتمع عامة، وقضايا المرأة خاصة. على أساس أننا تركنا السلطة والحكومة التي بيدها (كل شيء)، و"استلمنا" تلك المنظمات والأحزاب التي تعاني ضيقاً شديداً بسبب تهميشها المقصود وقوانين متخلفة واستثنائية كقانون الجمعيات سيئ الصيت، وقانون المطبوعات ذي الصيت الأسوأ، و(قانون) الطوارئ الذي بات وصمة عار على جبيننا جميعاً.
أما أننا تركنا السلطة بمستوياتها جميعاً، وهي الوحيدة صاحبة القرار النهائي في بلدنا، وكل ما تبقى ملحق بشكل من الأشكال بها وبـ(كرمها)، فذلك غير صحيح. ولا نريد استعراض براهين. وأما عن انتقاداتنا للمنظمات والأحزاب، فذلك صحيح تماماً.
نعم. جميع هذه المنظمات والجمعيات والأحزاب، منفردة ومجتمعة، مسؤولة مسؤولية كبيرة عن هذا القصور الكبير في عمل المجتمع، وليس السلطة فقط، ولا القوانين تلك فقط.
ألم تنادِ جميع هذه الجهات بأهمية الديمقراطية؟ فأي منها نشر علناً آلية ديمقراطية واضحة تمنع من هم في مقام الرؤساء (أمناء عامين ورؤساء مجلس إدارة وأمناء فروع وشعب وفرعيات ومنطقيات و..) من أن يبقوا زمناً غير محدد ملتصقين بكراسيهم تحت يافطة ممجوجة اسمها (إعادة الانتخاب)؟!
ألم تكتب وتنشر وتتحدث على المنابر، جميع تلك الجهات عن الشفافية والعلانية والأهمية الفائقة لهما؟! بل وطالبت السلطات تلك بأن تكون شفافة وعلانية ليل نهار؟! فأي منها نشرت تقارير واضحة تقول كم عدد أعضاء هذه الجهة أو تلك؟ وما هي مواصفاتهم؟ أو نشرت تقريراً مالياً يبين مصادر دخلها، وكيفية صرفها واتجاهاته؟! أو تقريراً تبين فيه نشاطها خلال عام منصرم مثلاً، وأين أخفقت وأين نجحت مبينة ذلك ببيانات دقيقة يتجاوز الجمل العامة التي تصلح لكل شيء إلا أن تقاس؟!
هل تنطح حزب واحد من جميع الأحزاب الرسمية ونصف الرسمية وغير الرسمية فوضع خطة عمل واضحة في قضايا المرأة؟! أو قدم دراسة واضحة، خارج إطار الجمل العامة، حول هذه القضايا؟! أو وضع (كوتا) خاصة للنساء في صفوفه القيادية؟! أو أخبرنا، فقط أخبرنا، كم امرأة تتبوء مناصب فيه، محدداً هذه المناصب؟! وطبعاً لن نسأل هذه الأحزاب وتلك المنظمات ما السر في أنها جميعاً لم تمكّن النساء من الوصول إلى مناصب قيادية عالية، خاصة الرئاسة أو ما يوازيها!
هل أعلنت هذه الأحزاب مواقف واضحة دقيقة من قضايا المرأة، تتجاوز الكليشات العامة تلك؟! وحتى القوى التي تتحدث ليل نهار عن المجتمع المدني والأهلي وما إلى ذلك، أدخل بعضها إضافات بسيطة حول وضع المرأة، لكن أحداً منها لا يفرز مكاناً خاصة لقضايا المرأة والطفولة والأسرة في برامجه! عداكم عن أن يخصص لهذا الأمر جهداً في دراسة أو تحليل أو وضع تصورات لحلول!
بل نحن العاملون في قضايا الأسرة والمرأة، هل توقفنا أمام أنفسنا لنعلن على الملأ وضعنا الحقيقي من جوانبه التنظيمية والفكرية والمالية و...؟!
طبعاً لا! والحجة الدائمة هي وضع القوانين الاستثنائية في البلد، خاصة قانون الطوارئ! أي الخوف من أن تكون هذه الإعلانات وثيقة لإدانتهم بالقانون الأسود! لكن ذلك مردود، على الأقل من أفواههم! فالجميع يؤكد، وهذا صحيح، أن الهواتف مراقبة، والبريد الإلكتروني مراقب، والبريد العادي يتبرع (الموظفون) بفتحه والاطلاع عليه، و... كما أن الأنشطة جميعاً مراقبة مراقبة دقيقة، حتى إن (الشباب) المكلفون بهذه المراقبة يدخلون الندوات والمحاضرات علناً. وكثيراً مايعرّفون عن أنفسهم أيضاً. وفي بعض الأحيان يقومون ببث حي مباشر إذا شعروا أن الأمر خارج نطاق إمكاناتهم.. فهل تنتظر هذه (الجهات المعنية)، فيما إذا رغبت بقمع أو تضييق أو.. على هذه الجهة أو تلك، مثل هذه (الوثيقة) التي نتحدث عن ضرورتها؟! والحجة بالحجة، أليس "مبرر" الحكومة لعدم الكشف عن الكثير الكثير من المعلومات مستند إلى تلك الحجة السخيفة عن (أمن البلد)؟! فلماذا نطالبها إذاً أن تتوقف عن استخدام هذه الحجة، ونحن نستند إلى حجة من نفس النوع تماماً؟!
إذاً، ببساطة، ليس انتقاد ما نحن فيه (صبّا للحب في طاحونة النظام)! وإن كنا لا نهتم أصلاً في طاحونة من يصب حبّنا، بل في طاحونة ماذا! والانتقاد الآن هو حاجة ماسة لم يعد هناك ما يبرر لنا عدم القيام بها. ونزعم أن الشروع في هذا الاتجاه، بات مفتاحاً ضرورياً ضرورة قصوى، لتجاوز ما نحن فيه من ضعف وخلل وثغرات غير خافية على أحد.
ولعله من الصحيح، وإن جزئياً، أن رأيك ليس ما يقوله لسانك، بل ما تقوله أفعالك.