المهرجان السابع
كانت ندوة مهرجان دمشق السابع للفنون المسرحية (1977) هي الأولى التي نجحت في وضع أوراق عمل تم إعدادها مسبقاً.
قدم د. محمد يوسف نجم ورقة بعنوان (صورة التمثيل في الحضارة العربية). تناول فيها قراءة لبعض مصادر التراث العربي وبعض مصادر الحضارتين الهلينية والبيزنطية بهدف (استخراج بعض المظاهر التمثيلية في تراثنا الحضاري وربطها بالفن المسرحي الإغريقي). ورأى في استعراضه أنه كان هناك فرق للتمثيل الهزلي منتشرة في الحواضر الإسلامية منذ القرن الثاني أو الثالث للهجرة. وشبههم بفرق تمثيل الميم التي كانت منتشرة في الدولة البيزنطية منذ انهيار المسرح الجدي في القرن الثاني الميلادي.
وقدم مصطفى كاتب ورقة بعنوان (المسرح في الجزائر) أشار فيه إلى أن (المسرح الجزائري ظهر من خلال العرض الشعبي مرتبطاً بذوق الجماهير الشعبية غير المثقفة) بسبب سياسة الفرنسة. كما نوه بتجربة التأليف الجماعي التي فرضها واقع غياب المؤلفين العرب عن ساحة الجزائر.
وتحت عنوان (النص المسرحي في المغرب) قدم محمد أديب السلاوي فيه استعراضاً للمسرح المغربي الذي يعاني خاصة مشكلة التأليف المسرحي التي يعانيها أدباء مغاربة يكتبون المسرحية دون أن يتمكنوا من البناء المسرحي. مما دفع المسرح إلى الاعتماد على الاقتباس، خاصة عن المسرح الفرنسي.
و (عن الاتجاهات الفكرية للمسرح العربي.. إشارات وملاحظات)، عبر فاروق عبد القادر عن قناعته أن (أسلافنا العرب لم يعرفوا المسرح). وإن كان في بعض أعمالهم (مقامات الحريري وبديع الزمان) عناصر مسرحية أجهضها واقع يحرم التمثيل تحريماً تاماً. وعلى هذا فالمسرح العربي بدأ مع مارون النقاش في 1847. إلا أن ظهور النص المسرحي تأخر حتى 1913 حين عرض فرح أنطون (مصر الجديدة ومصر القديمة). ثم تابع استعراض حركة المسرح، بدرجة كبيرة من التفصيل، حتى الوقت الراهن (1977).
أما فريدة النقاش فقدمت ورقة بعنوان (حرية التعبير في المسرح). تحدثت فيها عن واقع أن (قضية الديمقراطية بكل أبعادها السياسية الاجتماعية وما يترتب عليها من حرية الفكر، لم تجد حلاً جذرياً في بلدٍ ما حتى وقتنا هذا).
ولم تكن حرية التعبير مسألة رقابية بحتة. بل كانت متعلقة أيضاً بطموحات مؤلفيها وفنانيها وإقبال الجماهير عليها. وأرجعت تقدم قضية الرقابة في النقاش المسرحي إلى واقع أن معظم كتاب المسرح الجديد وفنانيه كانوا والمثقفين التقدميين من أبناء الطبقة الوسطى. وكان ذلك (تعبيراً ضمنياً عن تعثر طرقها بوضوح إلى الحياة السياسية كلها). ورأت أننا نحتاج إلى بعض الوقت (كي تخلق الحركة المسرحية الجادة النامية ببطء خارج قطاعَيْ الدولة والمسرح الخاص ملامح مستقرة).
(النص المسرحي بين التعريب والتجريب) هو عنوان الورقة التي قدمها وليد إخلاصي. قال فيها (تتجلى مأساة النص المسرحي في الثقافة العربية المعاصرة في أنه يعامل معاملة المادة الإعلامية. وهو مطالب دوماً بتلبية الاحتياجات العاجلة والملحة والمؤقتة للمجتمع). وأكد أن المسرح العربي هو (ثقافة مستوردة). ورأى أن التعريب هنا هو (مرحلة التأثر بالنص الأجنبي.. والتأثر قد يكون في اللغة الدرامية أو في المواضيع المسرحية.. والمدنية الأوربية صدَّرت إلينا الآلة المنتجة والمستهلكة والملابس ووسائل المتعة والطباعة الأنيقة والفنون المعلبة بأرخص الأثمان, وهي كذلك صدرت إلينا المسرح في أبهى صوره التي وصل إليها عبر التكنيك الحديث والتراث العريق. فإذا كنا قبلنا الآلة والمتعة والفن، فكيف يمكن لنا مقاومة إغراء سيد الفنون وجامع أشتاتها؟ المسرح الذي يصبح آفة إذ تحبه، ومرضاً إذ تجهله، ومتعة لا حدود لها إذا ما فهمت أسراره ودخلت دهاليز تكوينه العجيب؟).
أما عن التجريب فرأى وليد إخلاصي أن الكاتب المسرحي (يتطلع من خلال الثقافات للفيزياء التي تستخدم قوانينيها في النهد كما في الدانمارك. وكذلك قواعد المسرح الأساسية. وهذا لا يعيق حلم الكاتب المسرحي في أن يكتب نصاً فيه من العالمية قدر ما فيه من المحلية).
و(التجريب أو المسرح التجريبي) نشأ ردة فعل فنية للموازنة مع المسرح الرسمي. أي هو خروج عن القاعدة والمألوف. وهو امتحان للأدوات المسرحية للوصول إلى الشكل الملائم للأفكار. وهو ضرورة لنا، فهو هنا محاولة لاكتشاف الذات. وبذلك يكون التجريب عندنا هو محاولة لتخطي مرحلة التعريب.
وخلص إخلاصي إلى (أن خلق طقس مسرحي هو الطريق الأفضل لخلق المسرح المحلي).
بعد ذلك قدم د. رياض عصمت ورقة عمل حول (مسرحنا العربي بين الإبداع والإتباع). قدم فيها عرضاً ناقداً لعدد من أعمال المسرحيين العرب. وخلص إلى أن (أعمال معظم المسرحيين العرب تحمل تأثراً بأكثر من كاتب عالمي). وهذا (ليس عيباً ما لم يطغَ التأثر ويفقد المسرح موضوعاته وصلته بجمهوره). ورأى أن (بعض الدعوات تنحو نحواً إقليمياً متعصباً حين تصر على ربط الحركة المسرحية في أيامنا بماض مندثر). كما أن نقيضها المتمثل بالقول إن المسرح العربي هو مجرد تقليد متأخر زمناً ومتخلف قيمة وفناً عن المسرحية الأوربية، هو (استلاب ثقافي خانع).
وأكد أن من شأن مسرحنا العربي أن يعالج هموم مجتمعنا العربي ورؤاه، وأن يعيد تمثل روح التراث والمخيلة الإبداعية للأمة. لكن ذلك يغتني بالتجريب وصهر تجارب الآخرين في تجربتنا الخاصة). أما ما حدث فهو أننا (تأثرنا بتيارات الأشكال المسرحية الأوربية، ووضعنا في تلك الأشكال واقعنا العربي، فانفصمت العلاقة بين الشكل والمضمون).
لم يصدر عن ندوة المهرجان السابع توصيات ولا مقترحات.
يجب القول إن أوراق هذه الندوة كانت واسعة وغنية. ومن الطبيعي أن تتسبب هذه المقالة الصغيرة بتشويه بعض الأفكار بسبب ضرورة الاختصار الشديد.
المهرجان الثامن
استمرت عروض المهرجان الثامن (أيار 1979) 18 يوماً في صالات القباني والحمراء ومسرح العمال، وقصر العظم.
ناقشت الندوة عروض المهرجان. وألغيت الندوة المتخصصة بموضوع محدد، تضامناً مع المثقفين والمسرحيين المصريين الذين لم يستطيعوا المساهمة فيها نتيجة لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.
وخلصت المناقشات إلى أن العروض مثلت استلهاماً للتراث (جلجامش، الملك هو الملك، حفلة على الخازوق..). كما أن الإعداد غلب في هذه العروض على التأليف. وافتقدت العروض إلى اللغة المسرحية المناسبة والملائمة للشكل المختار للشخصيات المعالجة لصالح بلاغة لغوية قوية.
وفي ختام المهرجان صدر بيان عن المسرحيين العرب المشاركين فيه أدانوا عبره (الخطوة الخيانية التي قام بها حاكم مصر في توقيعه وثيقة الاستسلام مع العدو الصهيوني).
العروض المشاركة
شاركت سورية في المهرجان السابع بعرضين فقط (يوميات مجنون- غوغول. إعداد سعد الله ونوس وإخراج فواز الساجر. ورسول من قرية تميرة- محمود دياب. إخراج فواز الساجر). فيما شاركت كل من المغرب (قراقوش)، ومصر (عودة الغائب)، والأردن (الإنسان والظل)، وقطر (إلى أين)، وفلسطين (مطالعة مسرحية)، والبحرين (نواخذة الفريج)، والكويت (حفلة على الخازوق)، وليبيا (الصوت والصدى). وتونس (اللغز)، بعرض واحد لكل منها.
وفي المهرجان الثامن شاركت سورية بخمسة عروض (الملك هو الملك- رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة- دمر عاشقاً- قصة حديقة الحيوان- القرى تصعد إلى القمر). وتونس بعرضين (مقامة لم يكتبها البديع- جزيرة النحاس). والعراق بعرضين (الشهداء ينهضون- ملحمة جلجامش). واليمن الجنوبي بعرضين (نحن والفاشية- الفردية القاتلة). وكل من الدول التالية بعرض واحد لكل منها: الأردن (حفلة على الخازوق). لبنان (حكايات من عام 1936). فلسطين (الزيارة). الإمارات (الفخ).
الدورات 9-10-11
في تشرين الثاني 1984، أي بعد مرور خمسة أعوام على المهرجان الثامن، استأنف مهرجان دمشق للفنون المسرحية دوراته.
وناقشت ندوة المهرجان التاسع واقع المسرح العربي وعلاقته بوسائل الاتصال الجماهيرية والبنى السياسية والاجتماعية.
تساءل بول شاؤول عما تريده السلطة من الواقع؟ وأين تقف من الفعل التغييري السياسي والثقافي،و تالياً الإعلامي؟ ورأى أن السلطة السائدة تحارب كل جديد، مكرسة قيماً موروثة وماضوية. كما أن انتقال المجتمع إلى الاستهلاك دون أن يترافق ذلك مع تحولات داخلية فيها ضاعف النتائج السلبية لنمط الاستهلاك.
وتحدث صلاح دهني عن كيف تستقطب السينما والإذاعة والتلفزيون المسرحيين الأكثر شهرة من المسرح وتغمرهم بمغرياتها.
أما رياض عصمت فتحدث عن التأثيرات المتبادلة بين المسرح ووسائل الاتصال الجماهيرية الأخرى.
وخلصت الندوة إلى أهمية توفير حرية التعبير، وحماية حقوق العاملين في المسرح، وضرورة تبادل الخبرات بين المسرحيين العرب، وضرورة تخصيص برامج خاصة بالمسرح وتسجيل المسرحيات وعرضها في الإذاعة والتلفزيون، والحد من طغيان المسرحيات التجارية وتقديم المساعدات الإعلامية والإعلانية للمسرح.
المهرجان العاشر الذي عقد عام 1986، ناقش جوانب مختلفة من علاقة الممثل بالعمل المسرحي والجمهور.
ففي مداخلته عن العلاقة بين الممثل والجمهور، أكد سعد أردش أن التفاعل بين الممثل والجمهور قضية موضوعية تنبع أساساً من العلاقة الفكرية والفنية والجمالية بينهما. وهذا النوع من العلاقة يحتاج إلى توفر ظروف ومقومات كبيرة تؤكد حاجة الواحد إلى الآخر.
وتحدث زيناتي قدسية عن أشكال الإهمال المختلفة للممثل الذي يفترض أن يكون (سيد النص). وخاصة علاقته مع المخرج.
كذلك تحدث يعقوب الشدراوي عن الممثل والمخرج وطبيعة العلاقة بينهما. وكيف أن التمثيل مهنة تتطلب مواهب وثقافة عالية وخبرة حياتية وخيالاً متطوراً ومهارة إنشائية فنية معقدة.
و كما هو معلوم، فإن لفن التمثيل المسرحي قوانين خاصة به.
فواز الساجر شرّح أهمية عمل الممثل على النص بصفته أهم المسهمين في استيعاب رؤية المخرج وإغنائها ونقلها إلى عالم المجسد المرئي. مؤكداً أن أقنوم الأقانيم في فن الممثل هو: في البدء كان الفعل. ومناقشاً خصوصاً مشكلة الفصحى على المسرح.
بينما أكد رياض عصمت أنه في البدء كانت الكلمة، مؤكداً أولوية النص في العمل المسرحي، مناقشاً جوانب مختلفة من عمل الممثل على النص.
شارك في الندوة أيضاً كل من بول شاؤول وخالدة سعيد وفاروق أوهان و كلاوس مرتنس (ألمانيا الديمقراطية).
في الدورة الحادية عشرة للمهرجان (1988)، وهي الأخيرة قبل انقطاع امتد نحو 16 عاماً، ناقشت الندوة علاقة المسرح بالموسيقا، بصفتها مكوناً من مكونات العمل المسرحي، في مختلف أشكالها، وتضمنها في أوجه مختلفة للعمل المسرحي، كإيقاع اللغة مثلاً. وكذلك خصوصيات المسرح الذي يعتمد الموسيقى أساساً فيه (المسرح الغنائي)، وشعرية اللغة المسرحية واللغة الشعرية في المسرح، والمسرح والغناء (تجربة الرحابنة).
وخلصت الندوة إلى أنه على المسرح العربي أن يعتمد على مخاطبة كل الحواس في الإنسان. كما أوصت بضرورة تنشيط المسرح الغنائي.
العروض المشاركة:
شاركت في الدورة التاسعة (1984)، كل من سورية (الزير سالم- المهرج- مغامرة رأس المملوك جابر- فرح شرقي- قتل العصافير- تأخرت يا صديقي- البحث عن مسعود- جسر آرتا)، ولبنان (أيام الخيام، وفلسطين (ثورة الزنج)، والإمارات (حكاية صديقنا بانشيتو والرجل الذي صار كلباً)، وقطر (يا ليل يا ليل)، واليمن الجنوبي (نجران تحت الصفر)، وليبيا (المركب)، وتونس (أنا الحادثة- اسمع يا عبد السميع)، والجزائر (جحا باع حماره)، والمغرب (رحلة العطش).
أما في الدورة العاشرة (1986) فقد شاركت سورية (المهندس وإمبراطور آشور- كاليغولا- ليالي الحصاد- حالة حرجة)، ولبنان (إيماء 86- الشهيد ابن البلد)، وفلسطين (القيامة)، والأردن (راوي مرسحي يمرسح أوديب)، والعراق (وحشة وقصص أخرى)، والسعودية (عويس التاسع عشر)، والكويت (ردوا السلام)، والإمارات (م. خ. لعبة الكراسي)، ومصر (الوزير العاشق- عجبي)، والسودان (الحافلة)، وليبيا (أحزان أفريقيا)، وتونس (اسماعيل باشا- عنترة لا يموت مرتين)، والجزائر (الأجواد)، وألمانيا الديمقراطية (مريض بالوهم- الكاذب المحبوب)، والاتحاد السوفياتي (الأكاديمي الباشا الأحمر- اختطاف الفتيات).
وشاركت في الدورة الحادية عشرة (1988) سورية (السندباد- وليم سارويان- حكاية جيسون وميديا- جوارب للنجاة- الحارس- رحلة حنظلة- الخوف الرابع)، ولبنان (أسود ع أبيض- إيماء 88- زمن الطرشان- العتب ع البصر)، وفلسطين (رقصة العلم- مجنون يحكي وعاقل يسمع)، والأردن (يا عنتر)، والعراق (أنتيغون)، والسعودية (ابن زرياق- ليمتد)، وقطر (بودربة)، والكويت (الحامي والحرامي)، والإمارات (رحلة حنظلة)، واليمن الجنوبي (العاشق والسنبلة)، ومصر (الملك هو الملك- واقدساه)، والسودان (ملامح السيد السلطان)، وليبيا (باب الفتوح)، وتونس (يعيشو شكسبير- حبة رمان- سالمة وسالم وسليم)، والجزائر (الشهداء يعودون هذا الأسبوع)، والمغرب (حكايا بلا حدود)، والاتحاد السوفياتي (عزيزتي).
بسام القاضي، جريدة النور، نشرت في الأعداد 171- 178 (10-11-12/2004)