الرئيسيةمقالات.. الزبال) على منصة القباني: (الرائحة تفوح من الداخل)!
الزبال) على منصة القباني: (الرائحة تفوح من الداخل)!
بسام القاضي
الزبال، مسرحية ممدوح عدوان الشهيرة، قصة بلدنا في عيون من يستطيع أن يراها على حقيقتها لأنه مخفي في طيات الليل، غير مرئي بسبب (وضاعة) عمله. وبالتالي لا يهتم أحد به وبإمكانيته على كشف ما دفناه في سلل يفترض أن تذهب محتوياتها سراً إلى العدم: الزبالة. لكنه، من مكانه الهامشي هذا، يرى ما لا يراه الآخرون: كل ما يريد الناس إخفاءه عن العيون برميه تحت جنح الظلام! الحقائق التي يعيشون غيرها في النهار! أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة، وأمراضهم، واللهاث وراء المظاهر، وتغيرات القيم الأخلاقية.
وعبر كل هذا ينعي الزبال العالم القديم: الأب الذي طُلب منه أن يتحول إلى (ناطور ولاد) بعد أن انتهى دوره في تأمين حياة أولاده! الأطفال الذين يموتون بانشغال الأهل، أو يرمون في حاويات القمامة! وحارس الحارة الذي لم يعد له مكان في عالم صار فيه كل واحد هو حارة! الزبال الذي يحاول أن يكنس زبالة هذا العالم، أن يساهم في جعله نظيفاً ونقياً، ينتهي إلى أنه، هو، مجرد زبالة في عالم صارت رائحته تنبعث من داخله!
هكذا يدخل حازم حداد، الزبال، حارته التي غاب عنها لعام كامل. يتفقد زبالتها ليطمئن على أحوال أهلها. وبين تداعيات ذاكرته عن أيامه الخوالي مع زبالة هذه الحارة، وما تفاجئه به هذه الليلة الطويلة، يصل شيئاً فشيئاً إلى اكتشاف كم همّشه هذا العالم الجديد! هذا العالم الذي لم يعد له مكان فيه، ولا لبراءة الأطفال. لم يعد فيه مكان للعمل الشريف، ولا لأخلاق التعاون الاجتماعي. الفرد العاري من كل شيء سوى مصلحته المباشرة والضيقة هو سيد كل شيء! ولا شيء غيره!
بتواضع شديد في الديكور الذي اقتصر على بضعة نوافذ مضاءة وبضعة سلات قمامة إضافة إلى الحاوية الكبيرة، وبإضاءة حاولت أن تخلق مناخاً ملائماً ببعض النجاح، وموسيقى ناجحة أكثر، حاول حازم حداد، الممثل الوحيد في مونودراما الزبال، ومنشئ ومدير تجمع رايت الفني، تقديم نص مشغول بإتقان في خيار قد يكون هو الأصعب: المونودراما التي تعتمد على ممثل واحد عليه أن يكون كل شيء: الفاعل والمنفعل. وعلى كل ما تبقى من عناصر المسرحية أن يخضع لسيطرته المطلقة. ولأنه كذلك، يشكل هذا النوع من المسرح التحدي الأكبر لكل ممثل. فهنا عليه أن يستثمر كل ما فيه أقصى استثمار: كل عضلة في وجهه، وكل تردد في حباله الصوتية، كل تفاصيل جسده وإمكانية الحركة فيه. ولا شيء يمكن أن يضيع عن عين المتفرج هنا. فهو المركز والمحيط. ولا ممثل آخر للاتكاء عليه في هذا المشهد أو ذاك. هذه الحركة أو تلك. وربما ساهمت صعوبته هذه، إضافة إلى أسباب أخرى تتعلق بطبيعة إمكاناته، في كون هذا النوع هو الأقل شغلاً في العالم كله.
ربما لم يستثمر حداد إمكاناته كلها في هذا العرض. فرغم التنوع في حركة تعابير وجهه إلا أنها سرعان ما تحولت إلى بضع حركات مكررة، رغم وضوح قدرته على غير ذلك. كذلك الأمر فيما يتعلق بصوته الذي قدم فيه أكثر مما قدم بوجهه، إلا أن المشكلة الأبرز في هذا العرض كانت استخدام اللغة الفصحى في العرض! ليس اعتراضاً على استخدام الفصحى في المسرح، بل لعدم مناسبتها إطلاقاً لعرض يقدمه زبال أولاً، ويعتمد الكثير من الأقوال العامية المأثورة والأمثال الشعبية. وهذا ما بدا واضحاً أكثر من مرة، ففي أكثر من حالة انفعال لم تسعف الفصحى في التعبير فلجأ إلى العامية. وفي مرة حوّل مثلاً عامياً إلى الفصحى (أركبناك وراءنا فمددت يدك إلى الكيس)! حداد برر ذلك بأنه لا تعارض بين الزبال والفصحى من ناحية، وأن هناك سعياً للمشاركة في مهرجانات عربية اقتضى هذا الأمر. دون أن يلغي ذلك استخدام بعض المفردات العامية المناسبة للبيئة التي يقدم فيها العرض لخلق تواصل أكبر مع المتفرج. إلا أن هذه المبررات لم ترطب الجفاء الذي خلقته الفصحى في العرض.
مع ذلك تمكن العمل من إمتاع المتفرج على مساحة العمل الزمنية، إذ حافظ (الزبال) على شد الانتباه حتى اللحظة الأخيرة التي كانت ذروة العمل بامتياز. فبعد أن (اكتشف) كم صار هامشياً وغير ذي فائدة في هذا العالم، منبوذاً إلى الدرجة التي لم يعد لوجوده فيه معنى، يدخل إلى حاوية القمامة وهو يردد بأسى وحرقة: (يجب أن أدفن نفسي في الزبالة. أنا لا شيء!). إلا أن الحاوية التي دخلها تعطيه مفاجأتها الخاصة: طفل ميت! فيصرخ كذئب جريح: (ملعون أبو الدنيا التي لا تتسع للأطفال! ملعون أبو الدنيا التي لا تتسع لنا! ملعون أبو الدنيا! ملعون أبو الدنيا!).
عمل جميل رغم الملاحظات، زاده تألقاً واقع صالة القباني التي تدفع للوقوف احتراماً أمام كل من يتجرأ على تقديم عرض عليها! منصة القباني التي تشبه كل شيء وأي شيء، إلا مسرحاً! ليس بحداثة تجهيزاتها أو قدمها، بل بالحال المزري الذي صارت عليه. فالقاعدة الخشبية ذات مستويات! والأرضية المطاطية متقشرة رغم إلصاقها ب(لزيق عريض) هنا وهناك! قطع السقف المستعار تتوضع كيفما اتفق فوق المنصة! المكيف مساهمٌ مهم في التأثيرات الصوتية دون أن يكون له مساهمةٌ في التكييف! أما المقاعد فربما كانت أفضل ما في الصالة. فهي كفيلة بإبقائك متيقظاً مهما كان العمل مملاً لما تسببه من تصلب في عضلات أسفل الظهر!
مع ذلك، كان القباني فرصة لتجمع (رايت) الفني الذي شكا من أن جريدة مركزية، أو إذاعة أو تلفازاً، لم تكلف نفسها عناء متابعة أعماله الخمسة التي قدمها في حلب (ومحافظات أخرى) فاضطر للمجيء إلى دمشق العاصمة. عسى ولعل!
حازم حداد لـ "النور"
في حوار سريع مع حازم حداد، الممثل الوحيد في العرض ومدير تجمع رايت الفني، والقادم من مسرح الشبيبة والمسرح الجامعي في حلب، أشار إلى تجربة التجمع في تقديم خمسة أعمال مختلفة (أربعة منها إخراج حداد نفسه- واحدة للأطفال)، جميعها ألغت مفهوم شباك التذاكر. إذ قدمت عروضها مجاناً في أكثر من مكان (الحسكة- حماة- حمص- إدلب). رغم أن أربعة أعمال من أصل خمسة هي من إنتاج التجمع دون أي مساعدة أو رعاية أو إعلان. مع ذلك لم نجد أي اهتمام من أي جهة إعلامية مركزية(في العاصمة) يغطي انتشارها مساحة البلد. فقط قليل من الاهتمام من إذاعة حلب (إذاعة محلية) وجريدة الوحدة (محلية)! وهذا ما يجبرنا على التوجه إلى دمشق. وربما الانتقال إليها نهائياً!
يعمل التجمع الآن على عمل جديد يستند إلى ألف ليلة وليلة، ويقوم على المسرح الغنائي والاستعراض. وسيزور إلى الكويت ليقدم بعض أعماله هناك.
الزبال (مونودراما)
تأليف: ممدوح عدوان
تمثيل: حازم حداد
إخراج: د. وانيس بندك
ديكور: محمود الساجر
موسيقى: بيرج قسيس
إضاءة: عمار جراح
تجمع رايت الفني