كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
الرئيسية arrow مقالات.. arrow آثار التغطية التلفزيونية لمجازر شـارون: الانتفاضة تعيد للناس ماللناس
آثار التغطية التلفزيونية لمجازر شـارون: الانتفاضة تعيد للناس ماللناس طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

سألت الأم ابنها علاء الذي لم يكمل عامه الثالث بعد، ولم يشارك بأي مظاهرة أو مسيرة حتى الآن، لأن دور الحضانة مستثناة من التعميمات الشفهية حول المشاركة بالمظاهرات والمسيرات والشعارات المسموحة وما إلى ذلك: ماذا يقول الذين في المظاهرة؟ فصرخ بأعلى صوته وهو يهز قبضته ويبتسم: فلسطين عربية. مع تقطيع نطقه للكلمتين بما يناسب هتافاً مدوياً. أعرف هذا الطفل وأعرف أبويه. ورغم اهتماماتهما السياسية عموماً، إلا أنهما بالتأكيد لم يصرخا أمامه بهذه الجملة.

لا يحتاج ما يجري إلى أي جهد إعلامي خاص ليثير مشاعر الناس في مختلف فئاتهم وأعمارهم. فالهمجية الصهيونية، والدعم الأمريكي (الطبيعي) الوقح، والموقف العربي الرسمي المخجل، والاستبسال الفلسطيني في مواجهة الموت والذل، كل ذلك يدخل إلى كل حارة وبيت ليصفعه بأنه معني مباشرة، وأكثر من أي مرة سابقة، بالأحداث.
رغم ذلك تقوم المتابعة الكثيفة والمباشرة من الإعلام (التلفزيون خصوصاً) بزيادة مستوى المتابعة والتفاعل اليومي. وتشد المشاهدين على مدار الساعة. حتى الشباب الذين كانوا من مدمني القنوات الترفيهية العربية والأجنبية نقلوا جل أوقات متابعتهم التلفزيونية إلى محطات الأخبار المختلفة. وإن كان بعضها - المتخصص بالأخبار- فاز بالنسبة الكبرى. هذه التغطية الإعلامية تشمل المقابلات مع السياسيين والمختصين إضافة إلى متابعة أخبار المظاهرات والمسيرات على امتداد الوطن العربي والفقرات الفنية والدعائية. وطبعاً تحتل صور المواجهة في فلسطين وأخبارها المساحة الأوفر. ويبدو واضحاً التركيز في كل ذلك على همجية الكيان الصهيوني وبخاصة شارون، وعلى الخسائر الهائلة التي يتعرض لها الفلسطيني في حياته وممتلكاته. حتى إن بعض المحللين السياسيين أعلنوا عن استيائهم من هذا الأمر على أساس أنه نوع من التفاخر بالذل والإهانة التي تمارس يومياً بالدبابات.

قد يكون الأثر الذي تتركه هذه المتابعة في الأسرة واحداً من الأمور الهامة التي يجدر التوقف عندها، على أنها المعنية أولاً بحكم العلاقة الخاصة مع التلفزيون. مع أن هذا من الأمور الخاضعة كثيراً للتقدير، نظراً للحذر الشديد الذي يتعامل به الناس مع أي جهة إعلامية واعتبارها جهة رسمية يفرض (الوعي) التعامل معها بالآراء الرسمية فقط، دون التصــــريح عن الآراء الحقيقية التي تحمل أحياناً اختلافاً بهذه الدرجة أو تلك عن الموقف الرسمي.
(لم يسبق لنا أن اجتمعنا في البيت على متابعة الأخبار كما نفعل اليوم. ربما باستثناء فترة حرب الخليج الثانية وبمستوى أقل من الآن. حين تجلس لساعات أمام محطات مختلفة وأنت تتابع تفاصيل الأخبار تجد نفسك منساقاً إلى النقاش مع من حولك في ما تسمعه وتراه. مع أننا في البيت لا نهتم عموماً بالسياسة ولا نناقش فيها) هذا الرأي للأستاذ محمد (مدرس ثانوي) يعكس إلى درجة كبيرة واقعاً متجدداً. فالناس الذين كان لهم اهتمامات عامة في زمن ما، وهم كبار السن نسبياً، تراجعت مع تلاحق خيبات الأمل على كل الصعد الداخلية والخارجية. حتى صارت متابعة الأخبار عملاً شبه روتيني يهدف إلى الاطلاع فقط دون الشعور بأي مسؤولية تجاه ما يراه ويسمعه. والذين شبوا خلال السنين الأخيرة الماضية لم ينشأ عندهم أصلاً هذا الاهتمام، تحت قناعة سائدة أن السياسة لا تطعم خبزاً من جهة، ومن الجهة الأخرى أن السياسة من شؤون القادة فقط وحين يتدخل أحد غيرهم فيها يجد ما لا يسره. هذه المتابعة وما يرافقها من نقاشات مهما كان مستواها، تعيد الأسرة إلى الأيام التي كان فيها الحديث السياسي أمراً يومي الحدوث. وتكسر حاجز الخوف الذي تكرس في أوقات ماضية. ويستعيد الناس إحساسهم بأن لهم دوراً ما يجب القيام به لا الاكتفاء بالتفرج والشتائم كما جرت العادة.
(ماذا ينفع الكلام؟ كل يوم نتمزق مئة مرة أمام التلفزيون من فظاعة الجرائم التي نراها. وما يقهرني أننا لا نفعل شيئاً سوى الاجتماعات وكثرة الكلام. لماذا لا نرسل لهم أسلحة مثلاً؟) بهذا المعنى، وبكلماته العامية عبّر أبو عبد الله (خضرجي) عن مشاعره. ويشير إلى أنه بات عصبياً جداً منذ حصار رام الله ولا يحتمل كلمتين من أحد حتى لو كانت زوجته. لعلها مشاعر الغالبية منا. إذ يبدو بوضوح عجزنا رسمياً عن موقف موحد مهما كان. وعجزنا شعبياً عن فعل شيء سوى المظاهرات التي لا يبدو أنها تخيف أحداً سوى القائمين على البلدان التي تجري فيها هذه المظاهرات بعيداً عن تخطيطها وضبطها. هذه المشاعر تزيد من إحساس اليأس المفرط من إمكاناتنا كأمة على فعل شيء، في الوقت الذي تزيد وطأة الإحساس بقوة العدو وقدرته المتفوقة علينا. وهو أمر بالغ الخطورة. إذ لم يسبق أن تفاقم الشعور بضعفنا إلى هذه الدرجة، ربما باستثناء الفترة القصيرة التي أعقبت هزيمة حزيران 7691. وتم تجاوزها نسبياً نتيجة الاهتمام السياسي الشعبي الواسع الذي ساهم برفع المعنويات وتقليص أثرها إلى مجرد هزيمة في معركة. أما الآن فالهزيمة ليست في معركة عسكرية. بل في معركة تمس أعمق مشاعر الكرامة.
(شاركتُ في كل المسيرات والمظاهرات التي خرجت في دمشق. وكذلك أذهب أحياناً إلى اعتصام الـ .NU وأمضي فترة المساء أمام التلفزيون. خصوصاً قناة الجزيرة. بالأساس أنا لا أهتم بالسياسة ولا أنوي أن أهتم بها الآن. لكن لا يمكن أن نرى عرباً مثلنا يقتلون بهذه الطريقة دون أن نتأثر)، وتؤكد سامية (موظفة) أنها لم تفعل شيئاً في الانتفاضات السابقة. وترى أن مشاهد التلفزيون تستفزها لفعل شيء. وهي تعتقد أن التبرع والتظاهر هو كل ما بإمكاننا فعله لأجل الانتفاضة، لأننا (لا نستطيع أن نحارب أمريكا). هذا التعامل مع الأخبار كما مع المظاهرات يشكل إلى درجة كبيرة تفريغاً (مضموناً إلى درجة ما) للمشاعر المحتدة.
يعتقد بعض المثقفين أن هذه المظاهرات والمسيرات المضبوطة مسبقاً، كما الحشد الإعلامي الاستثنائي في تغطية أخبار الانتفاضة، يهدف أساساً إلى امتصاص النقمة المتصاعدة في أوساط الناس. ليس ضد الكيان الصهيوني وأمريكا فقط، بل أيضاً تجاه الكثير من الأنظمة العربية. مما يعني أن هذه النشاطات تؤدي إلى عكس ما تبدو عليه. ويدلون على صحة رأيهم بالتساؤل عن أي تغير سياسي أو عسكري، سواء في فلسطين أو في الدول العربية أو في العالم، نتج عن التظاهر. ويشير أحدهم (حتى إن دولاً في المنطقة منعت حرق العلم الأمريكي الذي طالما حرق في مناسبات أقل أهمية بكثير. فأي أثر تنتظره من التظاهر؟).
ربما لم يسبق أن عمت الوطن العربي مثل هذه الموجة العارمة من المظاهرات الموجهة لقضية واحدة. ولم يسبق أن غطيت أخبار بمثل هذه الكثافة والدعاية (أخبار 11 أيلول سرعان ما خبت). حتى أخبار حرب الخليج الثانية لم تكن كذلك. إذ كان لدى الكثير من الدول حجج جيدة لتبرير القصف المدمر الذي دمر العراق شعباً قبل أن يمس النظام مساً. وبغض النظر عن رغبات المسؤولين عن أجهزة الإعلام، أو المشغولين برسم خطوات المظاهرات وشعاراتها، فإنه من الواضح أن الانتفاضة فرضت نفسها في كل بيت وعلى مدار الساعة. وأعادت عقارب الساعة إلى الوراء باستعادتها الشارع العربي إلى قلب الحدث، حتى لو كان ذلك باللافتات والشعارات وإحراق الأعلام.

  


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 48، 2002

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS