الرئيسيةمقالات.. فرقة إنانا في (جوليا دومنا) أجساد تحكي اللغة الأصعب
فرقة إنانا في (جوليا دومنا) أجساد تحكي اللغة الأصعب
بسام القاضي
للمرة الثالثة تقتحم فرقة إنانا للمسرح الراقص عالم السياسة فاتحة أبواب المراحل المختلفة للتاريخ على قواسمه المشتركة. فمن هواجس الشام، إلى أبناء الشمس، إلى العرض الجديد (جوليا دومنا)، تبحث فرقة إنانا ليس عن اللوحة المعبرة والممتعة وحسب، بل أيضاً عن القصة ذات المغزى، والدلالة الراهنة.
لن أضيف على المديح الكثير الذي قُدِّم لفرقة إنانا منذ عرضها الأول حتى الآن. إذ يكفيها فخراً أنها حاولت، ونجحت في إخراج الرقص من التصور الذي كرسته الملاهي بصفته نشاطاً غير أخلاقي. أو التصور الذي كرسته الفرق الرسمية، بصفته فناً ليس لنا ما نقدمه فيه غير الدبكة والمولوية، إلى ساحة الجمال والإبداع. بل إلى ساحة هي أكثر تعقيداً وخصوصية هي ساحة المسرح الراقص. ولذلك سأحاول هنا تتبع بعض الملاحظات على عرض جوليا دومنا الذي عرض على مدرج مسرح معرض دمشق الدولي من 1إلى 6 آب.
تقنياً، ربما كانت الملاحظة الأولى هي الصوت العالي جداً الذي أعاق، في مشاهد عدة، متابعةً أكثر التصاقاً للخشبة. وكان يمكن أن يتنوع ارتفاع الصوت حسب مقتضيات العرض، بدل أن يستمر على وتيرة واحدة على مدى أكثر من ساعة هي مدة العرض. وربما خدم التنوع الحركة الدرامية أكثر.
وتقنياً أيضاً، لم يكن استخدام نافث الدخان موفقاً. فقد تدخل بصوته العالي أكثر من مرة ليشد الانتباه. كما أن وجوده قريباً جداً من حافة الخشبة جعل تدفق الدخان الكثيف والقوي، قبل توزعه وتشتته، يشبه ما تنفثه السيارات، عوضاً عن أن يكون موزعاً بطريقة يُضِبُّ فيها الصورة على نحو مناسب. بينما كان النافث الآخر الموضوع في صدر المسرح (داخل باب المعبد) موفقاً في مهمته.
قد يكون خيار الملابس موفقاً إلى درجة كبيرة، ضمن الإمكانيات طبعاً. لكن وحدة اللباس الذي ارتدته عازفة الناي والفتاتان اللتان تحملان المراوح كان خطأ مهماً. فعازفة الناي كانت دائماً أكثر من جارية. وإذا قدّرنا موقع جوليا دومنا في المعبد، يمكن القول إن عازفة الناي كانت امرأة على قدر كبير من الحظوة. بينما حملة المراوح لم يكونوا سوى خدمٍ. وهو ما كان يجب أن ينعكس في اختلاف الملابس.
من حيث النص، تعاني قصة جوليا دومنا من نقص في مراجعها التاريخية. فالمصادر المعروفة تشير إلى زواجها من قائد الجيوش الروماني سبتيموس، واعتلائها عرش روما معه بعد مواجهته الجرمان. ثم قتله في مؤامرة نفذها قائد حرسه الخاص مكرينوس. وكان يمكن لهذا النقص في المراجع التاريخية أن يمنح النص حرية أكبر في المعالجة، بعيداً عن مشكلة الاصطدام بحقيقة التاريخ. لكن الذي قُدم لم يكن إلا تجسيداً شبه مطابق لما هو معروف. مع اعتماد خيط أساسي في العمل هو فكرة المؤامرة. الأمر الذي بدأ الإيحاء به من مشهد دخول سبتيموس إلى المسرح. إذ بدت التحية المترنحة التي قدمها مكرينوس لسبتيموس، وما يشبه المطاردة الصغيرة بينهما، مقدمة للمؤامرة القادمة التي تأكدت محوريتها في العمل عبر تعليقات الرواية. وإذا كانت فكرة المؤامرة تشكل زاوية من القصة التاريخية، فإن زوايا أخرى، كقصة الحب بين سبتيموس وجوليا دومنا، أو فكرة انحطاط نمط الحياة الروماني الذي أدى إلى هزيمة أمام جيوش الجرمان، قد تكون أكثر انفتاحاً وإمكانية. مع أن هذه الأفكار وغيرها لم تغب عن العمل، لكنها بقيت في إطار فكرة المؤامرة وخدمتها. في السياق ذاته، بدت المعركة بين جيوش سبتيموس وجيوش الجرمان، حسب الحركة التي قُدمت، معركة بين سبتيموس وملك جيوش الجرمان. أي كانتصار فردي لا يتحلى بالمنطقية. خاصة أن اللباس كاد يكون الفرق الوحيد بين الجيشين. في الوقت الذي كان يمكن لإبراز عنصر التنظيم في جيش سبتيموس مقابل عنصر الفوضى في جيش الجرمان أن يشير بقوة إلى عنصر الحضارة مقابل عنصر الهمجية. ويعمق الفكرة والعرض بدرجة أفضل.
على مستوى الأداء، ربما كان هناك الكثير من الملاحظات التي أربكت، بدرجات متفاوتة، المشاهد المختلفة في العرض. وأهمها هو الضعف الواضح في تنسيق الحركات في الرقصات الجماعية التي تفترض النسق الواحد، مقابل الإتقان الواضح في الحركات الفردية. من ذلك لقطة السجود لسبتيموس، إذ لا يبقى على الخشبة سوى خلفيات الساجدين، وهي غير مميزة بوضوح نظراً للإضاءة الخافتة والملابس الداكنة. وبالتالي صارت أقدام الساجدين هي بؤرة الرؤية. ربما كان من المهم العناية بشكل تموضع القدمين لكل راقص، بحيث تكون وضعية واحدة للجميع. بينما الذي بدا هو فوضى أقدام: زوج منفتح من الأعلى، وزوج منفتح من الأسفل، وزوج متباعد وزوج مضموم. الأمر ذاته تكرر في مشهد الفراعنة، إذ اختلفت بدرجات واضحة زاوية انفتاح أيدي الراقصين والراقصات، كذلك زاوية ميلان أكفهم وأكفهن، بل بدت بعض الأكف مشدودة بتوتر، وبعضها الآخر محنياً بارتخاء. أيضاً، سحبت السيوف في لحظة المواجهة بين جيش سبتيموس وجيش الجرمان بكثير من الفوضى، وأُشرِعت بغياب أي تنسيق في توقيت الحركة أو زاوية الميلان، الأمر الذي أفقد الحركة قوة التنظيم والوحدة. وفي حركة الدومينو (الحركة المتتالية) التي تكررت عدة مرات خلال العرض، أدى اختلاف طفيف في التتالي بين الراقصين إلى الإساءة إلى أناقة الحركة ودلالتها.
وقد تكون مهمةً الملاحظة التي أبداها عدد ممن حضروا العرض حول انفصال استعراض الفولوكلور عن العرض الرئيسي، بحيث بدا هناك قطع مفاجئ لم تنجح رغبة الفرقة في تأكيد غنى الفلوكلور في المنطقة وتنوعه، في وصله.
كل هذا لا ينتقص من قيمة العرض الممتع الذي قدمته فرقة إنانا. ولا من قيمة العمل الدؤوب والمُجهد الذي تقوم به. بل كان هناك لحظات مدهشة حقاً. كالغزل بين سبتيموس وجوليا دومنا في لقائهما الأول في المعبد، سواء الرقصات المنفردة لكل من العاشقين، أو رقصتهما المشتركة التي أطلقت العنان للتوق الداخلي وهو يلامس تحققه في حركات قصيرة ومتوترة وقوية. كذلك كان مشهد تعليم جوليا دومنا للفتيات مليئاً بالحيوية والرشاقة. وربما كانت حركة إغلاق الراوية للكتاب، مع التقلص المفاجئ لجسدها، وانطلاق صوت محمود دوريش: أيها المارّون.. في اللحظة الأخيرة للعرض الأساسي، واحدة من أجمل الحركات.