الرئيسيةمقالات.. سطحية ومجانية في فيلم (آلام المسيح): آلامٌ.. أم جنون العنف؟
سطحية ومجانية في فيلم (آلام المسيح): آلامٌ.. أم جنون العنف؟
بسام القاضي
حين بدأ عرض فيلم ميل جيبسون في صالة سينما الشام، كان الجميع يترقبه بفارغ الصبر. خاصة أنه أثار تلك الزوبعة المتعلقة برفع تهمة معاداة السامية بوجه الفيلم لأنه أكد أن قرار صلب السيد المسيح كان قرار حاخامات المعبد، ومن خلفهم غوغاء هستيرية. وهم، بالتالي، يتحملون مسؤولية هذا الفعل. لكن الوجوه المكفهرة والعيون الدامعة للخارجين من الصالة والشتائم التي تمتموا بها، كانت تقول أشياء كثيرة اعتراضاً على الفيلم من غير هذه الزاوية السياسية! فهل كان هؤلاء مجرد ضعاف قلوب لم يتحملوا رؤية دماء تسيل؟ فكيف وهي دماء السيد المسيح؟ أم أن للفيلم حكاية أخرى؟
لنبدأ بالأرقام: الفيلم يمتد على مساحة ساعتين من الزمن. أي نحو 120 دقيقة. يبدأ العنف الجسدي فيها في الدقيقة الحادية عشرة تقريباً. ويستمر خمس دقائق هي المدة التي استغرقها اعتقاله وجّره إلى المعبد. ثم يبدأ تعذيبه في المعبد لبضع دقائق قبل أن يصل جنود بيلاطس. بعد أن يغسل بيلاطس يديه من دم المسيح ويسلمه إلى الكهنة تبدأ جولة التعذيب الأهم والأكثر وحشية، لتستمر نحو خمس عشرة دقيقة. تظهر لنا الشاشة خلالها أبشع أشكال التعذيب. وخاصة الجَلد بالكلابات الحديدية! ووضع إكليل الشوك على رأسه. ثم تبدأ المرحلة الأطول وهي حملة صليبة على طول طريق الجلجلة التي تمتد إلى نحو ثلث الساعة. يعقبها مباشرة تثبيت جسده على الصليب مستغرقاً نحو ست دقائق. ويمتد الصلب على مدى اثنتي عشرة دقيقة!
هذا يعني أن الفيلم الذي يستغرق نحو الساعتين يصور عنفاً جسدياً عارياً بمشاهد تستغرق نحو ساعة كاملة! والمشاهد الباقية ليست، في أغلبها، سوى عنف مقنع! يبدو هذا بحد ذاته، وبغض النظر عن أية مقولة أو فكرة يتضمنها، أمراً مثيراً للقرف. ويبدو أن علاقة ميل جيبسون الممثل بالعنف لم تفارقه في صناعته لفيلم خاص به. ألم تكن تلك اللقطات التي يمزق فيها أعداءه في النهر ببلطة، بمنتهى الوحشية، وأمام أنظار أطفاله في فيلمه الشهير (المناضل)، غير مبررة بغير مقولة الثأر بأبشع تجلياتها؟ لكن هذا ليس اعتراضاً على تصوير العنف بحد ذاته. بل المسألة هي أية مقولة، أو فكرة، يحملها معه هذا العنف ويريد إيصالها إلى عقل المشاهد؟
لا تبدو هناك أية مقولة أو فكرة، باستثناء تصورات جيبسون عن أن العذاب الجسدي هو بوابة التطهر. إذ لم أجد أي مبرر ،على سبيل المثال، لمشاهدتي السياط، ثم الكلابات تهوي على الجسد المربوط في وسط القاعة، وتنتزع جلده وتنثر الدم على وجوه الجلادين وتملأ الساحة المحيطة، لمدة خمسة عشرة دقيقة متواصلة! لم يبد في الفيلم أي دور يذكر للحواريين باستثناء لحظة الاعتقال. بدوا هامشيين تماماً. ولم يكلف الفيلم نفسه عناء الدخول في عالم أي منهم. حتى يهوذا الذي باع المسيح بثلاثين من الفضة! بدا مجرد خائن سوقي أغرته الفضة! والمجدلية التي أخذت حيزاً مهماً في قصة المسيح لأنها كانت التجسيد الحي لما يفعله التسامح، في الضحية والجلاد علىحد سواء، بدت في الفيلم مجرد ديكور! وفي الفلاش باك الذي استعاد رجمها لم يظهر أي قيمة خاصة غير عرفانها الذي لا يُحدّ لمن خلّصها من حجارة الرجم! وبيلاطس، وزوجته اللذان شكلا مادة غنية على مر تاريخ المسيحية، بدا في الفيلم مجرد حاكم تحكمه مصالح منصبه وشيئاً من إنسانية زوجته! وفساد اليهودية الذي شكل المادة الأساس لرسالة المسيح لم يكن له مكان في الفيلم، إلا حماقة الكهنة وهستيريا الشعب! أما السيدة مريم العذراء، تلك التي صارت في الفكر والوجدان أماً كبرى تلخص وتكثف كل ذاك الحب والقدسية والغموض الذي عرفه الإنسان نحو المرأة-الأرض، فلم تفعل في فيلم جيبسون غير أنها راقبت ابنها في عذابه وصلبه بوجه مقطب حزين وصارم! يكاد لا يختلف عن وجه أي متعاطف عاجز عن فعل شيء! ولم تغير شيئاً تلك الاستعادة السطحية لمشهد صنع المنضدة أو لمشهد لهفتها عليه وقت سقوطه طفلاً على الدرج! ربما باستثاء لقطة واحدة في أثناء تعذيب المسيح في المعبد، إذ صورها الفيلم وهي تسير بهدوء وثقة بين المتألمين بمقابل الشيطان الذي كان يسير، في اللحظة ذاتها، بهدوء وثقة بين الشامتين. اللقطة التي اكتسبت قيمتها من المقابلة بينهما.
لم تكن آلام المسيح، وفق فكرة الخلاص والتطهير، هي آلام جسدية فقط. بل لم تكن آلامه الجسدية إلا كناية بسيطة عن الألم وفق المستوى الحضاري لتلك الأيام. بينما يشكل حمل وزر خطايا البشر، الخطاة بطبيعتهم، مصدرَ الألم وشكله الأكثر رقياً. ولا يشكل الصلب أكثر من بوابة لازمة ليمكن حمل هذا الوزر خارج السياق الزمني (وهو ما أكده المسيح في الفيلم بتأكيده أن الله هو الذي سلمه إلى الكهنة وبيلاطس). أي لتستمر إمكانية تطهر البشر عبره بغض النظر عن وجوده الحي المباشر. وفكرة العذاب والألم بهذا المعنى هي ما أشار إليها الرجل ذو الرداء الأسود (الشيطان) في جملته اليتيمة في بداية الفيلم: (هل تؤمن حقاً أن رجلاً واحداً يمكنه أن يحتمل عبء الخطيئة؟ ليس هناك رجل يمكنه أن يحمل العبء. إنه حمل ثقيل للغاية. إنقاذ أرواحهم مكلف للغاية. لا أحد على الإطلاق). إذ إن تاريخ البشرية متخم بأولئك الذين ضحوا بأجسادهم وتحملوا صنوف العذاب الجسدي لأجل فكرة سامية. إلا أن ميل جيبسون، في تهميشه هذا العذاب الروحي وتحويله إلى عذاب جسدي وحشي، لم يفهم شيئاً من تلك الجملة الطويلة والكثيفة. فما كان منه إلا أن أدنى هذا العبء إلى درك غرائزي بحت، ومثير للاشمئزاز. وإذا كان جيبسون قد أعلن أن الفيلم هو تجسيد للساعات الأخيرة من حياة المسيح، وهي بالتأكيد ساعات من العذاب، إلا أن ذلك لا يبرر كل هذا العنف المجاني. فتلك الساعات هي بالذات ما كثّف فكرة الخلاص عبر حمل خطيئة البشر. وهو بالضبط ما فشل الفيلم فشلاً ذريعاً في تقديمه.
أخيراً، لا يمكن الهروب، حين مشاهدة هذا الفيلم، من مقارنة سريعة مع رواية شهيرة لكاتب شهير (وقد حُوّلت هي أيضاً إلى فيلم): الإغواء الأخير للمسيح للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكي. ففي هذه الرواية يذهب كازانتزاكي إلى أفكار بالغة الجرأة تناقش الصراع بين القدسية والبشرية. وفي لحظة على الصليب هي الفاصلة بين (إلهي إلهي..) وتتمة الابتهال: (لماذا تركتني؟) يعيد كازنتزاكي السيرة مصوراً المسيح مواطناً بسيطاً غنياً وسعيداً بعد أن قبل المساومة وترك الرسالة. تاركاً للعقل أن يرى قيمة العذاب الحقيقي الذي حملته فكرة تخليصنا من المقارنة بين هذا الوهم الذي هو حقيقتنا اليومية، وبين حقيقة أن جسد المسيح معلق على الصليب.