كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

العنف يولد العنف
غرباء طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

 

بعيد عنك الآن، كما كنت بعيداً عنك طوال الأعوام الثمانية والثلاثين التي مضت منذ أطلقتني في هذا العالم، وبدأتِ مسيرةً طويلة لم تكلل بالنجاح لرسم طريق آمن لحياتي التي اعتقدتِ –ككل الأمهات- أنها ستكون مميزة وجميلة.

بعيد عنك، تفصلنا مدن وقرى، جبال ووديان، وناس متناثرون على طول الطريق. يفصلني عنك ضجيج السيارات الذي لا تعانينه في بلدتك الصغيرة الهادئة، وأجور السرافيس، والالتزام بعمل آكل من مردوده، ورشح المطر من البيت، والديون التي لا تعرف كيف تنتهي. يفصلني عنك الوقت الذي يبدو أقصر مما أحتاج، والأحلام التي لا أمسك بطرفها حتى تتملص مني كسمكة زلقة. تفصلني عنك الحسابات المعقدة لهذا اليوم، والحسابات الفاشلة ليوم الغد، والخوف من المجهول في بعد غد، الإحساس بعدم الأمان.
لم يكن الأمر كذلك في تلك الأيام البسيطة والسهلة، حين كنتما تعتقدان بالحكمة الشهيرة: من جدَّ وجدَ. وكان المستقبل يبدو مشرقاً وفاتحاً لنا –نحن القادمين الجدد- ذراعيه على امتدادهما. ولا يحتاج لأكثر من إرادتنا، وسلوكنا المستقيم والشريف لنجد لنا مكاناً مريحاً.
كم من الأحلام الجميلة بنيتما في تلك الأيام الغابرة التي تبدو اليوم كفردوس مفقود؟ منتظرين أن أكبر لأحققها. ولتستمتعا بما حققته؟ ألم أسمعك تفاخرين أمام الآخرين بملكات ابنك المدهشة؟ ألم يتباهى أبي أمام الرجال الآخرين بمهاراتي في الإعراب والشعر والحساب عندما كنت صغيراً؟
 لكنني خيبت أملكما. لم أصبح طبيباً كأجمل أحلامكما. ولا مهندساً كحلم متواضع. ولا حتى مزارعاً كخيبة كبرى. بل ذهبت في طرق لا تدر دخلاً محترماً، ولا تؤمن موقعاً اجتماعياً مميزاً، ولا تجعلني شخصاً يشار إليه بالبنان. طُرق  صعبة باهظة الثمن، ودفعتما قسطاً من ذلك. لم تدفعاه راضيين. لكنكما لم تقصرا في دفعه.
اعذريني أمي. بصراحة، لا أشعر بالندم. بل وأشعر هكذا بالانتماء إليكما أكثر. أشعر أنني لم أكرر حياتكما، كما لم أكن نسخة عن أحلامكما. لن أقول لك ما يقوله الرجال الناجحون إنك أعظم أم في الدنيا، فأنا لست متأكداً ما إذا كان هناك أم هي الأعظم حقاً. وكذلك لن أقول لك ما يقوله الرجال الفاشلون إنك لم تكوني أماً كما يجب، لأن أحداً لا يستطيع أن يقول عن الآخر ما يجب ومالا يجب. سأقول لك شيئاً آخر. سأقول إنني أحببتك هكذا كما أنت: أمي. أمي التي بذلت جهدها لتكون أماً. أمي التي تغضب وترضى وتخطئ وتصيب. أمي التي تموت لأجل أولادها أحياناً، وتنساهم أحياناً أخرى.أمي التي تمنح الحب وتحتاج أن تشعر بحب الآخرين لها أيضاً. أماً إنساناً. تبدين لي هكذا حقيقة أكثر، وقريبة من قلبي أكثر. سأقول لك إنني سعيد لأنك أمي، وسعيد لأنني أحتفل بك. وسعيد لأنك الآن سعيدة.
أحبك أمي. قد أكون تأخرت كثيراً في قولها لك. إذ لا أزال أشعر بشيء من الخجل حين أرغب في قول الكلمات الجميلة للآخرين. فكيف لك؟

*- جريدة "النور"- العدد (44)-  2002

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS