كتب السيد (تاج الدين أحمد الشعراني) في مقاله (حجاب أيضاً) في العدد 132 من (النور): (نعود لنؤكد أن هذه الظاهرة الاجتماعية (الحجاب) طارئة، لأن من يعرف دمشق في الخمسينيات حتى الستينيات من القرن الماضي، يتذكر أنه لم يكن في دمشق كلها حجاب شرعي واحد. الصبايا بلا حجاب، والكبيرات (إيشارب عادي. والقليل جداً من العجائز يرتدين الملاءة السوداء)! ثم يتساءل السيد الشعراني: (هل كان المجتمع الدمشقي في تلك الأيام غير مؤمن، وأصبح الآن مؤمناً؟).
تستند وجهة نظر السيد الشعراني على مغالطة (تاريخية) إذا صح التعبير. ففي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كانت بنات الطبقة العليا من المجتمع، وقسم من بنات الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة في دمشق، لا يرتدين الحجاب من أي نوع. بينما كانت النساء في عموم البلاد يرتدين الحجاب. لا يغير في الأمر شيئاً اللجوء إلى صفة (الشرعي) المتغيرة من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى آخر. فقصة الحجاب لا تتعلق بشكله أبداً. بل بضرورة تغطية الشعر لأنه (عورة) في المرأة. وبهذا المعنى تستوي أشكاله كلها: من الملاءة السوداء التي تخفي كامل الجسد كما في دوما وحماة، مروراً بالزي التقليدي لنساء كفر سوسة ودمر، حتى المناديل المختلفة الأشكال التي يرتديها النساء في كل الريف السوري (درعا والسويداء والقلمون والساحل والجزيرة...). إذ كانت المرأة التي تخرج دون (منديلها) في أي مكان من هذا الريف تتعرض للذم والنبذ الذي تتعرض له امرأة دومانية تخرج بلا عباءتها. وكان الأمر أكثر حدة في دمشق القديمة. أي في الميدان والشاغور والقيمرية والعمارة. كما كان من المستحيل خروج امرأة بلا عباءتها السوداء في مناطق كحرستا ودوما على سبيل المثال. هذا عدا مناطق حلب وحماة وقسم كبير من حمص واللاذقية وطرطوس وأغلب دير الزور والرقة..
من هنا فإن شكل النسيج الذي ترتديه المرأة ومدى حجبه لها ليس له كبير أهمية. فإذا أهملناه بدا واضحاً أن الحجاب، بمعنى ضرورة تغطية شعر الرأس لأنه عورة في المرأة، هو أمر قديم قِدَم سيطرة النظرة الذكورية إلى المرأة بصفتها كائناً يتضمن الشرّ بقدرته الطبيعية على الإغواء، وضرورة صد هذا الإغواء بحجبه عن أعين الضحية (الرجل). وليس طارئاً كما قال السيد الشعراني. وأهمية هذا الأمر ليست في التوثيق التاريخي. بل هي في أثره في فهم مكان الحجاب وجوهره في مجتمعاتنا والتعامل معه بناء على هذا الفهم.
من جهة أخرى، يكاد الدارسون لتقدم وتراجع ظاهرة التطرف الديني في مختلف الأديان أو تراجعها، خاصة في الدين الإسلامي، يتفقون على أن هذه الحركة مرتبطة أساساً بأزمة هوية المجتمعات التي وجدت نفسها مهمشة وقابلة للاختراق القسري من قبل أشكال تبادل حضاري لا يمكن صدها كما كان يجري مع الاستعمار العسكري المباشر. إضافة إلى الأزمات الداخلية المتمثلة بالبطالة المرتفعة بين الشباب وضيق أفق الخلاص الفردي. إن هذه الأزمات التي لا يمكن حلها أو البحث فيها في ظل أنظمة حكم لا ديمقراطية هي التي تدفع البعض إلى (الحلول) السهلة بغض النظر عن واقعيتها وإمكاناتها الفعلية. ويندرج الحجاب ضمن هذه (الحلول). فهو يختزل الهوية بقطعة نسيج كما اختزل تقدم الحرية في الغرب بالحرية الجنسية. واختزل مدنية المجتمع وعصريته بالفساد الخلقي والانحلال.
إلى ذلك، يبدو لي أن التساؤل عما إذا كانت نسبة المحجبات قد ازدادت حقاً في العقود الأخيرة أم لا هو تساؤل مشروع، على عكس ما هو رائج في الثقافة التقدمية. خاصة في ظل غياب (أو تغييب) أي إمكانية لدراسة ميدانية إحصائية دقيقة حول هذا الأمر. لكنني، في نطاق ملاحظتي الشخصية عبر عمري الذي أمضيته في مدن مختلفة في سورية، لا أستطيع الجزم بتلك السهولة. إذ أكاد لا أستطيع أن أتذكر إلا عدداً قليلاً من النساء اللواتي يمشين في الشارع سافرات (أي بلا أي شكل من غطاء الشعر) في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وأعرف أن عدد سكان سورية قد تضاعف عدة مرات. كما أن عدد سكان دمشق قد زاد عما كان عليه في الستينيات بأكثر من خمسة أضعاف. كما أنني لا أجد مسوغاً لقَصر النظر على فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. إذ إن تاريخ الحجاب يرجع إلى أبعد من ذلك بكثير. ولا تشكل تلك الفترة الخاصة نسبياً إلا نقطة في بحر.
ثم لماذا نفترض دائماً أن المرأة التي ترتدي الحجاب ترتديه قسراً بالضرورة؟ أليس هناك الكثير منهن يفعلن ذلك وفق قناعاتهن الخاصة؟ ألا يتضمن مفهوم حرية الاعتقاد هذا الحق؟ حتى حين تفعل المرأة ذلك مراعاة لمجتمعها الخاص، ألا يكون ذلك سلوكاً طبيعياً يشابه الكثير مما نفعله للهدف نفسه دون أن تكون لنا قناعة خاصة به؟ تبقى فقط مشكلة فرضه المباشر، من قبل الأب والزوج عادة، على المرأة. وهي مشكلة بحق. لكنها لا تحل بتعميم الأمر على الحجاب ككل. بل بالسعي لإيجاد قوانين تمنع كل أشكال الفرض، حجاب أو غيره. وتمنح من يتعرض إلى هذا الشكل من الفرض إمكانية الحماية القانونية. كما أنه من الخطأ تغييب دور الفرد في مقاومة هذا الفرض ورفضه. وتحميل كل إذعان فردي على قوى (خارجية). وهو أمر يجدر التركيز عليه نظراً للميل العام في مجتمعاتنا إلى التهرب من المسؤولية الشخصية في مقاومة أشكال القسر والتراجع والفساد المختلفة متذرعين بحجج واهية. فالمرأة التي لا تعتقد بالحجاب يجب عليها أن ترفض ارتداءه. وحجة أن المجتمع يعادي هذا (النشوز) هي حجة نافلة. المجتمعات كلها تميل إلى المحافظة ورفض الجديد. فكيف إذا كانت في حال من التدهور والضياع وفقدان الأمان كالذي تعيشه مجتمعاتنا؟
وإذا نظرنا إلى تطور نظرة الغرب إلى هذا الأمر في مجتمعاته الخاصة، وهو أمر يستند عليه الذين يحمّلون الحجاب أكثر مما يحتمل، نجد أن مشكلة الحجاب طرحت للمرة الأولى، على نطاق واسع، مع تقدم الاتجاهات العنصرية في تلك المجتمعات. حدث ذلك في فرنسا مع تقدم الجبهة الوطنية التي كان من أهم أعمدة نظرتها تحميل المهاجرين (أغلبهم مسلمين) مسؤولية مشاكل المجتمع الفرنسي، خاصة البطالة. وساهم في ذلك فشل المهاجرين، عموماً، بالاندماج الإيجابي مع مجتمعاتهم الجديدة. وهو فشل نلاحظه حتى في الهجرة الداخلية في بلدنا حين ننظر إلى أولئك الذين جاؤوا إلى دمشق وبنوا فيها قرى منسوخة عن قراهم الأصل بكل تقاليدها وعاداتها.
يجدر بالذكر هنا أن خطاب شيراك في 17/12/2003 الذي أيد فيه حظر الحجاب في المدارس على أساس أن الحجاب هو (علامة دينية مميزة)، استند إلى قانون خاص بمدارس الدولة يمنع ارتداء القلنسوات اليهودية الكبيرة فقط. أي تلك العالية التي نرى رجال التلمود اليهودي يرتدونها على شاشات التلفاز. بينما لا يمس القانون القلنسوة اليهودية الصغيرة التي نعرفها بصفتها مميزة لليهودي العادي. وهو ما يدل أكثر على أن المسألة برمتها تتعلق، هناك، بمشكلات تعانيها تلك المجتمعات، خاصة تصاعد العنصرية في نظرة الأوربيين إلى المهاجرين.
جانب أخير هو أن المتنورين من كل التيارات تجاهلوا التطورات التي فرضتها الحياة. وتعاملوا مع الأمر وفق قاعدة إما مع الحجاب أو ضده. لكن نظرة سريعة إلى المحجبات اليوم تظهر أن كثيرات منهن (خاصة طالبات الجامعة والعاملات) يرتدين الحجاب مع بنطال الجينـز والبلوزة الضيقة! كما أن عدداً وافراً منهن يظهرن تحت الحجاب مساحة وافرة من النحر والصدر! والأهم من ذلك أن حجابهن لم يعد يعني بقاءهن أمهات وزوجات وإناث ينتظرن الزواج، ولم يعد يمنعهن من المشاركة في الحياة العملية بكل جوانبها: الدراسة والعمل وتولي المسؤوليات. من هنا، يجدر التفكير ملياً فيما إذا كنا (على فرض أننا من المتنورين) قد أعدنا اختزال المرأة إلى شكلها، كما فعل الظلاميون، في معرض دفاعنا عن تحررها!