كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
الرئيسية arrow مقالات.. arrow السهروردي القتيل.. في درس على منصة الحمراء
السهروردي القتيل.. في درس على منصة الحمراء طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

(كل ما استطعنا أن نفعله هو البحث ثم البحث عن هذا السهروردي المتناثر بين الحطام، حطام الزمن والغبار والتاريخ الرسمي المريب). هذا ما ورد في بروشور المسرحية، بعد مقدمة طويلة أوحت أن تجربة المشاهدة ستكون تجربة مثيرة! إلا أن حساب مقاعد الجمهور، قد لا يتطابق مع حساب المنصة!

ولعلني وقفت طويلاً أمام اللقطة الأخيرة في المسرحية، حين تقفز الأكف تلقائياً لتصفق للذين على المنصة. إذ احتار الجالسون في مقاعد الفرجة بين أن يصفقوا التصفيق النهائي، أو أن ينتظروا لعل هناك إضافة ما! وبعضهم انتظر جالساً بعض الدقائق الإضافية، وهمَّ بالخروج وهو يتلفت إلى المنصة! عل هناك تتمة ما!
ولكي لا أنطق باسم الجمهور، سأستخدم فقط لغة المتكلم. المتكلم الذي ذهب إلى صالة المسرح مؤملاً نفسه الأمّارة بالسوء أنه سيرى، كما هو مثبت في البروشور: (البحث ثم البحث)! لكنه لم يجد، للأسف، إلا سيرة طويلة مملة تستعيد بعض ما يعرفه المهتمون جميعاً من سيرة حياة القتيل!
فباستثناء مشهدين، واحد لفرعون وهامان في عرض جديد لخيال الظل، ومشهد من رقص، لم يخرج العمل إطلاقاً عما نعرفه عن السهروردي. ولم يغص في شخصيته. ولا في شخصية من حوله جميعاً. بل إن مغالطات كبيرة وقع فيها العمل من هذه الناحية.
إذ إن صلاح الدين لا يجد له مكاناً هنا. وخاصة لجهة توقيع أمر قتله. وهذه من المسائل الغامضة في التاريخ. ويشك البعض أن السهروردي قتل دون معرفة صلاح الدين المشغول بحربه مع الفرنجة، ثم قدم إليه قرار القتل فوقعه. بل البعض يشك أصلاً في كيفية توقيعه من قبل صلاح الدين المعروف، خاصة في تلك الفترة، بنزعة عالية جداً من التسامح.
ومن (المغالطات) الهامة، وقد وضعتها بين قوسين لأن الأمر بدا لي مقصوداً وليس مغالطة، هو القول على لسان السهروردي بوجود عالمين: النور والظلمة! والنور علوي والظلمة سفلية! بينما المعروف أن السهروردي (الإشراقي) اعتقد أن النور هو مبدأ الوجود الوحيد. وما الظلمة إلا انحدار الوجود عن المبدأ - النور. وكلما انحدر هذا الوجود اتجه نحو الظلمة. ولعل هذا، وهو مختلف فيه عن الفلسفات الشرقية، كان واحداً مما أثار عليه ما أثير. إذ ينفي فيه المرتبتين اللتين قامت عليهما هذه الفلسفات: النور والظلمة، الخير والشر، الجنة والنار..
لكن ذلك يبدو مفهوماً أكثر إذا راجعنا المقدمة الخاصة ببروشور العرض. إذ تولي أهمية خاصة (للصراع المرير، عبر التاريخ، بين الفكر والسلطة، بين الكلمة والسيف، بين الحلم والواقع، بين التفكير والتكفير..). وهذه الأخيرة حكمت العرض منذ لحظته الأولى. وإذا كان الأمر هاجساً محقاً في زمن يكثر فيه التكفير، فإن قسر الأمر على النحو الذي تم، فرز العالم إلى جبهتين متمايزتين على النحو الذي لا يمت إلى السهروردي، ذلك القائل بالتدرج والانحدار، لا بالقطيعة والمواجهة.
وأما المشهدان الخارجان على السياق، مشهد فرعون وهامان وقارون والراقصة، ومشهد الرقص، فلم أجد لهما رابطاً في أي من أوجه العرض وأعمدته! وللأسف، لم أجد من المشاهدين من يعطيني ربطاً متسقاً! ولم تسعف الشباب حلقة الوصل تلك التي أدخلت عبر (الشيطان) الذي يقيم هذه الحفلات (للترفيه)! وببساطة لا تخلو من سذاجة، لم أجد بداً من أن أرى فيها إسقاطاً على قراءة لواقع حالنا! بل إسقاط يكاد يكون فجاً وغليظ القلب! كأنما أراد الشباب أن ينبهوا الفاسدين في هذا العصر، إلى أن حكاية السهروردي تعنيهم! أما كيف ولماذا..؟ فهذه أسئلة لم أجد لها جواباً، حتى فنياً!
ولا يختلف الأمر في مشهد الرقص الذي دخل فجأة وخرج فجأة. في سياق الاحتفالات ذاتها. إلا أن هذا المشهد أراحنا قليلاً من عبء الاستعادة المدرسية لقصة حياة السهروردي وموته.
ويبدو لي أن ديكور المسرحية، وسينوغرافياها قد خففت قليلاً من هذا العبء الثقيل بالاستماع إلى درس في التاريخ. فالقلاع المتحركة المتحولة إلى مدرسة أو قصر أو بوابة مدينة كانت زاهدة وملائمة. وربما ساعدت الإضافة كثيراً في إضفاء لمسات جمال خاصة على المشاهد.
إلا أن محمود درويش (ولعل نسبته كانت صالحة للربط مع السهروردي ذي الثياب الرثة، دليل الزهد الأكثر شيوعاً في رؤيتنا للتاريخ) كان المفصل الأهم في محاولة الربط مع واقع جديد. رغم بُعد المسافة بين الشخصين في الزمان. وكذلك أشعار إياد شاهين.
ربما كان للتمثيل المتقن، كالعادة، لكل من عبد الرحمن أبو القاسم، وزيناتي قدسية، وتالياً يوسف المقبل وهاشم علي، الدور الأهم في إنقاذنا من السقوط عن حافة التثاؤب.
نعم، نحتاج حقاً إلى إضاءة جوانب في تاريخنا أعتمت بقصد تاريخي لم ينته بعد. ولكننا لا نحتاج أبداً إلى تلاوة كتب التاريخ التي فشلت فشلاً ذريعاً في بناء أجيال لها أدنى علاقة بالتاريخ، إلى منصة المسرح. وخاصة، ومرة أخرى خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا من وزن أهمية الحوار والانفتاح على الرحابة في الفكر، وفي الحياة.
سؤال غير بريء: هل كان مقصوداً أن تكون هيئة (السهروردي) على منصة الحمراء (الممثل مروان أبو شاهين)، مطابقاً كل هذه المطابقة لشكل السيد المسيح كما هو معروف في الإيقونات؟!
بطاقة العمل:
السهروردي
تأليف: عبد الفتاح قلعجي
سينوغرافيا وإخراج: غسان الجباعي
الممثلون:
زيناتي قدسية، مروان أبو شاهين، عدنان عبد الجليل، قصي قدسية، نضال صواف، عمر الجباعي، يوسف المقبل، هاشم علي، عبد الرحمن أبو القاسم، سمير حانون، فدوى سليمان، سيف أو أسعد.
إضاءة: نصر سفر
مساعدة إخراج: سهير برهوم
 

بسام القاضي، جريدة النور، 3/2005

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS