كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

الصمت شيطان طليق
الرئيسية arrow مقالات.. arrow السـياسـة للسـياسـيين: تخلّي المواطن السوري عن دوره السـياسي
السـياسـة للسـياسـيين: تخلّي المواطن السوري عن دوره السـياسي طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

لم يمض وقت طويل على الأيام التي خرج فيها المواطنون السوريون، والفلسطينيون المقيمون في سورية، ليتظاهروا ضد السياسة الشارونية في فلسطين، وضد الانحياز الأمريكي الأعمى لتلك السياسة. نظمت حينئذ عدة اعتصامات في أماكن مختلفة. ورفعت شعارات سياسية واضحة وأخرى غائمة. بدا حينئذ وكأن الشارع السوري استعاد اهتمامه بشؤون السياسة، العربية على الأقل. لكن منذ (حُلّتْ القضية- شعار رفعه المعتصمون أمام المعهد العالي للفنون المسرحية كان يقول: حتى تحل القضية؟)، عادت الأمور إلى سياقها العام السابق. تراجعت المظاهرات شيئاَ فشيئاً حتى توقفت، تراجعت حملات الإعلان عن دعم الانتفاضة، وحملات الإعلان عن مقاطعة البضائع الأمريكية، وكأن القضية حلت فعلاً. هل كان ذلك التعبير السياسي المفاجئ حالة طارئة؟

هل المواطن السوري لم يعد يهتم بالسياسة إلا في المناسبات كما يبدو؟ أم أنه ما زال على اهتمامه القديم المشهور، وإن كان لم يعد يعبّر عن ذلك كما كان يفعل قبل ثلاثين عاماً مثلاً؟
يرى الدكتور أسامة (04 عاماً) أن الهم السياسي هو هم لكل إنسان شاء ذلك أم أبى، وبغض النظر عن كيفية تعامله مع هذا الواقع، وذلك لسببين على الأقل: أولهما شيوع وسائل الاتصال، خاصة الراديو والتلفزيون. الأمر الذي يجعله على اطلاع دائم على كل ما يجري في محيطه وفي العالم. وثانيهما أن الدولة لم تترك شبراً واحداً خارج أشكال سيطرتها المختلفة (بلديات ومخاتير وضرائب و. . )، مما يفرض على كل مواطن أن يهتم بما يتدخل مباشرة في حياته وحياة أسرته.
على عكس ما كان عليه الأمر قبل ثلاثين عاماً مثلاً. حين كان أغلب الريف السوري دون كهرباء، ودون أي تمثيل مباشر للدولة، ولم يكن هناك إلا القليل من أجهزة الاتصال المختلفة.
لعبت وسائل الاتصال دوراً كبيراً في اطلاع كل إنسان على مجريات الأمور في كل مكان من العالم. لكن هل يعني مجرد التلقي والاطلاع أن المرء يهتم بالسياسة؟ ترى السيدة رئيفة (54 عاماً، مدرسة علم اجتماع) أن الاكتفاء بالاطلاع ليس فعلاً سلبياً إلا في المرات التي تكون فيها الأحداث مهمة مباشرة للشخص المعني. لأنه لا يمكن للمرء أن يتلقى فقط. فهو بالضرورة يقلب الآراء والأفكار التي سمعها أو شاهدها في ذهنه، ويربطها مع مجمل معرفته وقناعاته ومواقفه من الأطراف المعنية. وهذا اهتمام سياسي ولو بالحد الأدنى.
يعترض أبو أحمد (06 عاما، أمضى قسطاً كبيراً من عمره مع التنظيمات الفلسطينية) على هذا الرأي. ويعتقد أن الاهتمام بالسياسة يعني أن تمارس قناعاتك وتشارك بنفسك. فإذا لم تفعل فسيأخذ غيرك دورك.
كيف يمكننا أن نترجم اهتمامنا السياسي إلى أفعال؟ يرى البعض أن تحقق الديمقراطية السياسية في أي بلد هو شرط أساسي ليتمكن الناس عموماً من ممارسة دورهم. فالديمقراطية تعني تعدد الاتجاهات والأحزاب التي تعبر عنها. وتعني إمكان تحقق الآراء التي يعتقد بها المرء سواء عن طريق تداول السلطة، أو عن طريق الضغط المنظم على الحكومة. كما أن الديمقراطية ترفع هاجس الخوف من ملاحقات السلطة حين لا يعجبها ما يطرح هنا أو هناك. ويدللون على ذلك بشيوع الاهتمام السياسي وممارسته في البلدان الديمقراطية. وتقلصه في البلدان التي تعتمد أشكالاً أخرى للحكم. بينما يعتقد آخرون أنه لا يجب انتظار تحقق الديمقراطية. فالديمقراطية ذاتها هي حالة سياسية لا تتحقق إلا نتيجة نشاط سياسي يستهدف تحقيق الديمقراطية. ويعتمدون في ذلك على أن أوروبا لم تكن ديمقراطية عبر التاريخ. بل تحقق لها ذلك نتيجة لنضال الأوربيين عبر القرون الأخيرة.
لدينا مجموعة كبيرة من المنظمات الاتحادية والمهنية التي ترفع شعارات سياسية. فهل يمكن للمواطن السوري ترجمة اهتمامه السياسي من خلالها؟ يبدو أن أحداً لا يثق بإمكانية أن يمارس دوراً سياسياً من خلال هذه المنظمات. ليس لأنها لا تلعب دوراً سياسياً. لكن لأن دورها السياسي محصور بنشر الرأي الرسمي ودعمه وتأييده، وهذا حقيقي. فطوال العقود الأخيرة لم يبد أي تنظيم نقابي أي رأي مختلف ولو قليلاً عن الرأي الرسمي. ليس فقط في القضايا السياسية، بل حتى في القضايا النقابية المطلبية أو التشريعية المهمة. الأمر الذي جعل هذه التنظيمات تبدو وكأنها لا تتمتع بأية استقلالية ما عدا اسمها. وليس هناك أية إمكانية لإنشاء أي شكل من أشكال التنظيم بأي مستوى كان. فإنشاء الجمعيات السياسية ممنوع منذ زمن طويل. ولا يوجد قانون أحزاب في البلد. ولا يسمح بإنشاء نقابات غير النقابات المعترف عليها حالياً. ومهما كانت ديمقراطية الأحزاب القائمة حالياً، وعددها قليل على كل حال، فإن انعدام إمكانية إنشاء أي حالة جديدة تعني واقعياً احتكار العمل السياسي بمختلف أشكاله. وتعني بالتالي أن على من يحمل رأياً مختلفاً عما هو موجود أن يلتزم الصمت. ومن ناحية أخرى ليست أقل أهمية، فقد ساد اعتقاد عام عميق الرسوخ أن السياسة ليست نشاطاً مطلوباً من المرء كمواطن يعيش في حدود جغرافية وأوضاع اقتصادية واجتماعية تلعب بها السياسة دورأً مباشراً. تكرس هذا الاعتقاد اعتماداً على واقعين. الأول هو الخوف من نتائج ممارسة أي نشاط سياسي خارج الأطر الرسمية، وهو خوف مبرر تماماً. والثاني هو الاعتقاد أن (الكبار) هم وحدهم المستفيدون من نشاط الآخرين السياسي، وبضمن ذلك تضحياتهم. وهو ما ألغى معنى ما تعلمناه في المنهاج المدرسي من أن السياسة هي فن إدارة الحكم. وحوّله لتصير السياسة في ذهن المواطن هي فن إدارة الآخرين لتحقيق ما تريد.
هذا بالضبط ما يعبر عنه أبو محمد (53 عاماً، عامل) حين يقول: السياسة للكبار وليست لنا. نحن علينا أن نصفق في الخطب الرسمية، ونهتف بأعلى صوتنا. (بعدين مين ناطر رأيي ولاَّ شو بدي؟). يزداد الموقف حدة إذا تعلق بالأبناء. فإذا أبدى أحدهم اهتماماً مختلفاً ولو قليلاً عن الآراء الرسمية يواجه فوراً بأعنف الأساليب، بدءاً من نعته بالمراهقة والجهل، وانتهاءً بالضغط عليه بأساليب مادية مختلفة.
هكذا ترك المواطن السوري السياسة (لأصحابها). واكتفى منها بمتابعة مثابرة للأخبار عبر الإذاعات أو عبر القنوات التلفزيونية المختلفة. تاركاً الأرقام الكبيرة للمنتسبين للأحزاب والمنظمات الاتحادية المختلفة تعبر عن الكثير من الأمور، ليس من بينها اهتمامه بما تطرحه من أراء.

  


بسام القاضي، جريدة النور، العدد 61

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS