كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
الرئيسية arrow مقالات.. arrow الصفات الشخصية أولاً.. إعداد المعلمين بين الواقع والاحتياجات
الصفات الشخصية أولاً.. إعداد المعلمين بين الواقع والاحتياجات طباعة أرسل لصديق
بسام القاضي   

مرّ عيد المعلم هذا العام دون أن يحظى بالتفاتة مناسبة من الإعلام السوري. إذ بقي الحال على ما دأبنا على فعله في الأعوام السابقة، وفي المناسبات جميعها. أي أننا نستنفر إمكاناتنا الأدبية والعاطفية لنشيد بعمله ونتعاطف مع وضعه المعاشي السيئ (كما هو وضع كل الموظفين الآخرين). دون أن نقف أمام أدائه الذي يبتعد أكثر فأكثر عن الصورة التي رُسمت لنا في أوقات ماضية.

على مرّ التاريخ كان لحملة المعرفة، وخاصة لناقليها إلى الجيل الجديد، مكاناً شبه مقدس. ساهم في ذلك أن المعرفة كانت حكراً على طبقة الكهان المغلقة والغامضة والقادرة، بحكم علاقتها الخاصة مع الإله، على إصابتنا بالسوء. ثم عملت الأديان جميعاً على تكريس وضع خاص لحملة المعرفة (العلماء والعارفون). وأخيراً في أوائل القرن العشرين كرد فعل على التجهيل الذي مارسه الاحتلال العثماني لقرون طويلة. وانعكاس للاحتكاك مع الاستعمار الغربي الذي بدا واضحاً تفوقه المبني على العلم وإنتاجه التقني. وطوال هذا التاريخ الطويل كان لهذا التقديس ما يبرره. إذ كان الوصول إلى مرتبة المعلم عملاً شاقاً يحتاج إلى الكثير من الجهد. كما يحتاج إلى مواصفات شخصية خاصة. إلا أن الأمر بدأ يتغير مع النصف الثاني من القرن العشرين. حين بدأت وسائل الإعلام انتشارها الصاعق أفقياً وعمودياً في مجتمعاتنا. ترافق ذلك مع السعر الزهيد نسبياً للكتاب.

لكن هذا التغير الذي بدا طبيعياً في الكثير من بلدان العالم، وشكل رديفاً للمعلم لا بديلاً له، اتخذ عندنا صورة مشوهة أدت، فيما أدت إليه، إلى تراجع مكانته الاجتماعية إلى مرتبة لا يحسد عليها. بعيداً عن استمرار الاحترام المبني على إنشاء المقالات في بعض المناسبات. فهل يعود ذلك كله إلى تراجع الوضع العام المعيشي الذي أجبر المعلم على البحث عن وسائل يسد بوساطتها عجزه عن تأمين حياته وحياة أسرته بدخله كمعلم؟

ربما كان للوضع المعيشي ذاك دور بالغ الأهمية بالتأكيد. إذ من الصعب أن نفرض على طالب في المرحلة الثانوية مثلاً، بكل ما تحمله من فورة الشباب واضطرابات المراهقة احترام معلم شارد الذهن بعمله الثاني بعد الظهر. كما من الصعب على تلميذ في المرحلة الابتدائية احترام آنسته المستعجلة على انتهاء الحصة بأقصى سرعة. والتي لا تبذل أي جهد في فهم هذا الكائن الصغير. إلا أن هناك أسباب أخرى لها أهمية تستحق التوقف عندها. أهمها هو أن دخول عنصر جديد إلى هيئة التدريس لم يعد كما كان في السابق. أي لم يعد كنتيجة لترافق تحصيل المعرفة والرغبة بنقلها إلى الجيل الجديد. بل تحول هذا الأمر إلى مجرد مهنة، بل مهنة تسمى وظيفة في الدولة، أي تؤمن دخلاً ثابتاً وإن كان قليلاً. إضافة إلى راتب تقاعدي. وتأخذ القليل من الوقت قياساً بأعمال أخرى. وهو ما شجعت الدولة عليه في فترة الثمانينات من القرن الماضي بشكل خاص.

ففي ظل النقص الشديد في أعداد المعلمين الذي عانيناه في فترة الثمانينات. وهي الفترة التي كان قد أنجز فيها توسع شديد في كهربة البلد ووصلها بشبكة واسعة من الطرق ووسائل المواصلات. مما أدى إلى دخول أعداد هائلة إلى المدارس بسرعة نسبية لم يكن قد تم الاستعداد لها بتأهيل كادر تعليمي كاف. وهو ما انعكس في تجاوب سريع من الحكومة عبر زيادة في عدد المعاهد والمدارس التي تخرج المعلمين. خاصة معلمي المرحلتين الابتدائية والإعدادية. وترافق ذلك مع شروط انتساب لا تبحث عن أي مواصفات خاصة مناسبة لهذا العمل الخاص. كما تم التساهل الشديد في تخريج الطلاب. وساهم في ذلك اعتبار هذه المعاهد والمدارس مكافآت يحصل عليها القادرون على إثبات الولاء بقبولهم هم أو قبول أقربائهم. بحيث صار انتساب هؤلاء إلى حزب البعث هو شرط أساسي في علمية القبول لا يستطيع اختراقه إلا قلة قليلة.

كان لهذه الاستجابة السريعة دوراً مهماً في ردم ثغرة مهمة في نشر التعليم إلى كل مدن وبلدات وقرى البلد. إلا أن شروط القبول المذكورة (إضافة إلى مشاكل مناهج التدريس في هذه المعاهد واعتماد عملية التلقين وآليات الإدارة..) أدت إلى سيادة معلمين غير أكفاء لا يرون في العملية التعليمة أكثر من مصدر للدخل. ولأنه مصدر غير كاف أعطي القليل من الاهتمام وفق القاعدة السائدة بأن لا ننجز العمل الموكل إلينا بأفضل وجه، بل نكتفي بالقدر الذي نعتقد أنه يقابل الراتب المقرر! هذه الفئة من المعلمين التي سيطرت تقريباً بشكل كامل على المرحلة الابتدائية وقسم من المرحلة الاعدادية لم يجر تثقيفها جيداً لا بالمعرفة الضرورية ولا بآليات التعليم المناسبة. والأهم من ذلك أنها توقفت تماماً عند اللحظة التي انتهى فيها امتحان العام الأخير من دراستها. وتجمدت معرفتها عند حد جرى تجاوزه بسرعة شديدة في عالم تتغير معطياته العلمية (والثقافية والفنية) كل يوم. وهذا ما نراه واضحاً في الأجيال التي تخرجت على أيدي هذه الفئة، والتي نراها أكثر ما نراها في المدن غير الرئيسية ومحيطها. فهي أجيال تفتقد حتى للحد القديم من الثقافة العامة الذي كان يفترض أنه مناسب لتلك المرحلة. عداك عن ما تطور منذ ذلك الحين.

مؤخراً أعيد النظر بمدارس دور المعلمين. ويمكن لذلك أن يكون خطوة صحيحة ومناسبة شرط أن لا يقتصر الأمر على مجرد استبدال لدور المعلمين بالفروع الخاصة في هذه الكلية الجامعية أو تلك. بل يتعلق التغيير الأهم بآليات القبول في هذا المجال الخاص والحساس بحيث يكون للمواصفات الشخصية المناسبة الأهمية الرئيسية. وهو أمر لا يمكن تقريره بناء على نتائج البكالوريا. كما لا يمكن الاكتفاء بامتحان كتابي خاص كما هو الحال في بعض الفروع الجامعية التي تعتمد مسابقة خاصة بها. فالطالب الذي يرغب في الانخراط بهذا السلك يجب أن يحوز على صفات أساسية في شخصيته تمكنه من القيام بدوره في نقل المعرفة وآليات التفكير السليمة إلى أفراد مختلفي الصفات والبيئات. ولا يمكن الاعتماد على أن دراسته القادمة كفيلة بإنجاز ذلك. فهذه الدراسة يمكنها أن تقدم الكثير إلى بنية أساسية مناسبة. ولا يمكنها أن تخلق هذه البنية.

من هنا يمكن القول أن إعادة النظر في شروط القبول في المعاهد والفروع التي تخرج المعلمين بحيث تعتمد أولاً على البحث عن راغبين مناسبين في صفاتهم الشخصية هي مدخل أساسي لأي تصحيح في العملية التعليمية.

  


بسام القاضي، جريدة النور، 4/2004

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS