كيف للرأس المطرق دوماً..أن يقول: صباح الخير أيتها الحرية؟!

كلمات..

يولد الناس أحرارا
الرئيسية arrow مقالات.. arrow اللاعب الأساسي في تحقيق عصريتها: الخدمات الاجتماعية تعادي تطور الأسرة
اللاعب الأساسي في تحقيق عصريتها: الخدمات الاجتماعية تعادي تطور الأسرة طباعة أرسل لصديق
نساء سورية   

حين نتحدث عن أسرة عصرية، نقصد تماماً أسرة قادرة على إنجاز مهماتها في الإنجاب وتربية الأطفال وتعليمهم وتأمين أسس مستقبلهم على أفضل وجه وفق مقتضيات الأيام الراهنة. وهي تقوم بذلك بناء على جهد وتكافل إنساني صحيح بين المرأة والرجل، عمودَي الأسرة الأساسيين. وبما أن مقتضيات الإنجاب والإنشاء والتربية لا يقررها أفراد الأسرة، بل حتى المجتمع الصغير، إنما يقررها مستوى تطور البلد من ناحية، والتطور العالمي من ناحية ثانية، فإنه لم يعد من المعقول الإتكاء على الزمن الطويل الذي أمضته الأسرة مكتفية بدور بسيط توارثي: إنجاب الأطفال ونقل محتويات الذاكرة الجماعية إليهم، وتعليمهم بعض المهارات الضرورية لكسب العيش.

الحاجة الآن توسعت إلى درجة كبيرة. ففي سورية اليوم، مثلاً، تتضاءل كل يوم فرص العمل التي لا تتطلب مهارات عالية كإتقان اللغة الإنكليزية مثلاً، وإتقان العمل على الكمبيوتر، ومهارات التعامل الاجتماعي المناسبة. وطبعاً يتقدم دور الشهادة التعليمية العالية، خاصة الجامعية، في تأمين مستقبل مناسب من حيث العمل والمردود المالي له.
وهذه الحاجيات باتت تطلب تكلفة مادية عالية في ظل اقتصاد اختفى، أو كاد، الاقتصاد المنزلي الذي يستطيع أن يؤمن الحد الأدنى اللازم للحياة. بل ما تبقى منه لم يعد يستطيع أن يؤمن، بمكافئه المالي، إلا قدراً بسيطاً جداً من مستلزمات الحد ذاك. وهذا ما يدفع أعداداً متزايدة من الناس إلى سوق العمل يومياً، جزء منهم ليسوا من الشباب الجدد القادمين إلى سوق العمل، بل من الشباب والكهول الذين فشلت حياتهم السابقة القائمة على اقتصاد منزلي صغير في تأمينهم.
وبسبب الغلاء الفاحش، وسياسة رفع الأجور قليلاً وإتباعها برفع عال لأسعار السلع يأكل الزيادة برمتها وقليلاً من الأصل، تزداد يومياً حاجة الأسر إلى عمل المرأة. ولا يتعلق الأمر هنا بالقيمة الإنسانية للعمل، ولا بمستلزمات الاستقلال لكائن إنساني مساو للرجل. بل بالسعي لتأمين دخل إضافي يسمح للأسرة بتلبية المتطلبات المتزايدة. كما تضطر أعداد متزايدة من الرجال إلى تمديد أوقات عملهم عبر العمل في أكثر من (دوام)، أو طلب ساعات إضافية لتأمين مزيد من الدخل.
في ظل هذا الواقع الواضح جلياً في سورية، تتزايد الأزمات الاجتماعية في الأسرة السورية التي تجد نفسها كل يوم أقل قدرة على الاستمرار بشكل صحيح وفاعل. ولعل الشكوى الدائمة من المراهقين والشباب تعبر بدرجة أو أخرى عن هذه الأزمة. كما تعبر المشاكل المتكررة بين الرجل والمرأة في الأسرة عنها من زاوية أخرى.
ويطرح الأمر دائماً على أنه مشكلة يجب على الأسرة حلها. أي يجب على الرجل والمرأة أن يجدا الأساليب المناسبة لعلاقة متوازنة بينهما ولتربية أطفالهما تربية سليمة. لكن هذا جزء واحد من الحقيقة. الجزء الآخر الأكثر أهمية أن المجتمع السوري يثبت في دستوره أن الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع. ولم يفعل الدستور هنا سوى أن أقر واقعاً قائماً. وهذا يعني أن على المجتمع أن يرعى هذه الأسرة ويقدم لها التسهيلات والخدمات اللازمة كي تقوم بدورها. وهذا هو السؤال الذي نطرحه: هل يقوم المجتمع السوري، ممثلاً في الدولة وجهات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني بهذا الدور؟ هل يقدمون جميعاً للأسرة تلك التسهيلات والخدمات الضرورية؟
قبل أن نصل إلى النتيجة، لنتأمل بعض عناصر هذا الواقع قليلاً.
تكلف وجبة غداء عادية في مطعم عادي لشخص واحد نحو 150 ليرة سورية. أي 2.5 % من متوسط دخل المواطن إذا حسبنا المتوسط على أساس 6000 ليرة سورية. فإذا ما أخذنا متوسط عدد أفراد الأسرة السورية 5 أشخاص للأسرة الواحد، بلغت تكلفة الوجبة الواحدة 750 ليرة سورية. أي نحو 12.5 % من متوسط الدخل نفسه! هذا يعني أن جميع من يقع أعلى بقليل أو أدنى من هذا المتوسط سيكون محروماً بشكل طبيعي من أية وجبة طعام لم تُعَدّ داخل المنزل! وهذا يعني، ببساطة شديدة، أن على الأسرة أن تقوم بأعباء إعداد الطعام كاملة بكل ما تقتضيه من جهد ووقت، دون أن تكون هناك أية فرصة لها في الاستراحة من هذا العمل المجهد والمستمر! وهو عمل غالباً ما تقوم به المرأة منفردة، أو بمساعدة بسيطة من الزوج والأولاد.
الآن، بات على من (يرغب) في وضع ابنه في روضة أن يدفع مالا يقل عن 13ألف ليرة سورية أقساطاً للروضة! ولا يحتاج المبلغ إلى أية مقارنة لإيضاح مدى العبء الذي يرتبه على الأسرة السورية. لكن ما نود إضافته هو عامل آخر أن الروضات لم تتأقلم بعد مع تمديد يوم العمل الذي ترافق مع إقرار يومي العطلة. كما أنها لا تأخذ بالحسبان أساساً العاملات في القطاع الخاص اللواتي نادراً ما يعدن من عملهن قبل الخامسة. وعلى هؤلاء جميعاً أن يقفن أما خيار صعب: إما أن يتوقفن عن العمل لأجل الأطفال الذين لا يجدون من يعتني بهم في الوقت المتبقي بين إقفال الروضة وانتهاء عمل المرأة، أو أن يبحثن عن قريبات وصديقات متبرعات بهذا العمل!
وفي باقي الأمور الحياتية كالصحة والتعلم والتنقل والثقافة ووسائل الترفيه وغيرها لا يختلف الأمر من حيث الجوهر، بل فقط من حيث الشكل.
هذا الواقع يؤدي إلى أن على الأسرة السورية أن تقوم بواجبها كاملاً دون أن تنتظر أية مساعدة أو مؤازة من المجتمع. الأمر الذي يرتب أعباء مضاعفة من جهة، ويزيد من حدة الضغط النفسي المترتب على أعضائها. وهو أيضاً يؤدي إلى مزيد من الأخطاء سواء في أدائها لمهماتها أو في ترتيب علاقات أفرادها بعضهم ببعض.
من هنا تبدو بعض الاحتجاجات التي يطلقها رجالٌ ضد تحرر المرأة ومساواتها مبنية على مشاكل واقعية تنبع من تحرر المرأة ومساواتها وممارستها لحقها في العمل والتكافؤ. وهذا صحيح من هذه الزاوية. إلا أن الأسباب الحقيقية للمشكلة لا تنبع من تحرر المرأة ومساواتها وتكافئها وممارستها لحقوقها كإنسانة مواطنة على قدم المساواة من الرجل. بل تنبع من تقصير فادح للمجتمع في أداء مهماته. وهذا التقصير تتحمل الدولة القسط الأوفر فيه لسببين: الأول أن الدولة في سورية تحتكر مباشرة، أو بطريق غير مباشر، أغلب أوجه النشاط المجتمعي. والثاني أن القوانين السورية، خاصة قانون الجمعيات السيئ الذكر والتدخلات الأمنية المرافقة له، يعمل على منع تطور تنظيم المجتمع لشؤونه. وبالتالي يعمل على حرمان الأسرة من طيف واسع من الخدمات المساعدة التي استطاعت مجتمعات أخرى أن تقوم بها لخدمة الأسرة، وبالتالي المجتمع، باستقلال عن الحكومات.
إذاً، من الواضح أن الدولة، عبر التشريعات والقوانين التي تسنها، وعبر آلية عمل مؤسسات محددة لم نتناولها في هذه المقالة، تعمل بقوة ضد بناء أسرة عصرية قادرة على تلبية احتياجات جديدة كلياً في الحياة، ولا مجال للتراجع عنها بحكم تطورات الحياة على مستوى البشرية.

  


بسام القاضي، جريدة النور- 250 (21/6/2006) 

تعليقات
أضف تعليقكبحث
ضع تعليقك
الاسم:
موقعك المفضل:
عنوان التليق:
Security Image
يجب أن تضع الكود كما هو مبين في الصورة.

Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved.

 
Joomla template by DesignForJoomla.com
DesignForJoomla.com provides free Joomla templates, free and commercial Joomla extensions, Joomla tutorials and SEO tips for the Joomla CMS